قراءات

قراءة نقدية في نص “غيث”

للكاتبة إيمان السيد

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

لقد تسمّرتُ أمام هذا النّص،ِ ووقفتُ أُعيد القراءةَ تلوَ القراءةِ… احترتُ منْ أين أُمسكه؟ وكلُّ قراءةٍ أخرجُ بشيءٍ مختلفٍ عنْ سابقهِ…
تمهّلتُ حتّى فرغَ عقلي منْ كلّ التباسٍ، وعاودتُ القراءةَ مرّات ومرّات، وجدتُ المفتاحَ متمثِّلاً في العنوان (غيث) حقًّا هو الغيثُ بما يحملُ منْ خيرٍ وبرقٍ وعواصفَ…كلُّ هذا وجدتُه داخلَ النصِّ الذي يندرجُ تحتَ مُسمّى القصة القصيرة جداً، وكا قالَ بعضُ المتخصِّصينَ [أنَّ (ق.ق.ج) تُعدُّ نواةً لقصّةٍ قصيرةٍ، أو رواية].
وحتى نقَرِّب المسافاتِ على المتلقّي، ونفرغُ إلى أشياءَ أعمقَ… سنحاولُ أنْ نكشفَ [الشخوصَ، وفكرةَ النصِّ, وعقدتَه] بصفةٍ خاصةٍ في هذا النصّ.
* الشُّخوصُ: المواطنُ العربيُّ.
* الفكرةُ: (( الوجع/ كسرة القلب/ الفزع \ ضياع الحلم/ ضباب في الزمكان )).
* المكان: الزمكان العربي الشّرق الأوسطُ الجديدُ.
نعودُ إلى العمود الفِقري لهذا النصِّ منْ وِجهةِ النّاقدِ…
* الكاتبةُ: إيمان السيّد
سورية.. حائزة على شهادة إجازة في الحقوق، وشهادة مُدرّب محترفٍ دوليّةٍ، وشهادةِ معلّم ناشطٍ دوليّة.
تكتبُ منذُ نعومةِ أظفارِها.
منْ قولِها: اليراعُ والقرطاسُ ** زوَّادَتي في صحراءِ الحياةِ، ومَؤونتي .
لها باعٌ كبير ٌفي اللّغة العربيّة، وهذا القسطُ الأكبرُ الذي سوفَ نحاولُ الإبحارَ فيه من خلالِ النصِّ،
ونلجُ إلى عالمِ “الكاتبة” الآخّاذِ منْ خلال “الإستهلال” الذي تؤطّر فيه الشخوصَ والأحداثَ والصراعاتِ…
((عيناكَ معلّقةٌ على الطّريق..
لا ترصُفْ حجارتَه ..كقطعٍ مُتجاورات!
ولا تبترْ لُهاثَ خُطواتِه …
لا تقتلِعْ أعشابَه الخضراءَ من بين الرّخاماتِ حتى ولو كانت إبريّةً…!
فلونُها الأخضرُ يشفعُ لها!
قدماكَ مُتخمتانِ بالمساميرِ.. فتعرجُ أصابعُك إلى مسراها.. تنشدُ اقتلاعَها!
كنتَ تخافُ دُنوَّ المساء، وتتوجّسُ مُزنةً.. مع أنّها كانت قنديلَه!
وشطُّ البوحِ حصيرٌ…!)).
نجدُ “الكاتبةَ” تخيَّرت الوصفَ طريقاً لعرضِ ما يدور بخلَدِها… مستخدمةً أسلوبَ البلاغةِ المحبَّب لديها لعرضِ الشخوصِ والأحداثِ…
// عيناكَ معلّقةٌ على الطّريق// لا ترصفْ حجارته// كقطعٍ متجاوراتٍ.
ـ من هوَ هذا الشخصُ؟
ـ ولماذا عيناه ُمعلقةٌ على الطريقِ؟
ـ وأيُّ طريقٍ تقصدُ؟
تجيبُ “الكاتبة” بأسلوبٍ يأخذُنا بعيدًا عمّا تفصحُ به الإجاباتُ.
ـ المعلّقة عيناهُ على الطّريق؟ ينتظرُ.. لا ترصفْ حجارتَه كقطعٍ متجاورةٍ.
ـ ولا يهدأُ لهاثُ خطواتِه… لا يقلعُ أعشابَه الخضراءَ ولو كانتْ إبريّةً منْ بينِ الرّخام الذي على الجانبين…
نرى لوحةً فنّيةً بديعةً ترسمُها “الكاتبة” وتتغَزَّلُ في الواقفِ المنتظرِ، على شوقٍ لقدومِ المحبوبِ.
وتستمرُّ “الكاتبة” في سردِ الاستهلالِ بنعومةٍ فائقة،ٍ وتكملُ…
//قدماكَ متخمتانِ بالمساميرِ// تعرجُ أصابعُك إلى مسراها// تنشدُ اقتلاعَها //.
شيءٌ ما يُسخِّنُ قدمي الواقفَ المنتظرَ، وكأنّها مغروسةٌ بالمساميرِ، ومعَ هذا يعرِجُ إلى مَسراها.. معناهُ أنْ ينشدَ ويبغي اقتلاعها إليه…
ونلاحظُ جزالةَ اللّغةِ والتّشبيهاتِ السابحةِ في بحارِ الشاعريّة بالرُّغم من الوجع الناضحِ عليه منْ …
//كنتَ تخاف دنوَّ المساءِ // تتوجّسُ مُزنةً.
كما نلحظُ اختيارَ المجازِ والكنايةِ الطبيعيِّ جدّاً دونَما قلقٍ على أُذنِ المتلقّي، ويرفعُ منَ المستوى الثّقافيّ بسلاسةٍ مُنقطعةِ النّظيرِ معَ أنَّ الغيمَ والسّحابَ كانتْ تمثِّل له…
//قناديل !!.
في نهاية ِهذا المقطعِ نجدُ “الكاتبة” تنقلُنا بحرفيّة الكاتبِ الحصيفِ إلى موطنِ (الصّراع، والعقدة).
((وشطّ البوح حصير…!
لا لقاء َلهما على حافّّة الوجعِ والقلبُ منه ومنها.. كسير!
مازال الطّريقُ يستصرِخُ خطواتِها المفزوعةَ منْ ظلّ بيتٍ.. إحدى دعاماتِه سقطتْ فوق رأسِ الصّحوةِ عندما كان الحلمُ نوماً!
والزّورقُ المذعورُ منْ صفعةِ موجةٍ مازالتْ أسنانُه تصطكّ مع طقم أسنانِ المِجدافِ الخشبيّ المُهترئ .)).
بادئةً (الصّراع والعقدة) من حيثُ انتهتْ…
وشطُّ البوحِ حصير…!
والدّلالةُ التي تقذفُها لنا أنَّ “الصمت” بين الواقفِ المنتظرِ عودةَ المحبوبِ هو الأمرُ السائدُ بينهما رغمَ نارِ الجوى التي تلهبُ الصّدور.. تصوير بلاغيٌّ فلسفيٌّ عميقٌ بعمقِ الفكرة، وقوّة الغيثِ.
وتستمرُّ “الكاتبة” بالسّرد المتنامي برقّة رذاذِ المطر، وتدخلُ بنعومةٍ لذُروةِ الصّراعِ…
// لا لقاءَ لهما على حافّة الوجع // والقلبُ منه ومنها كسير//
// الطّريقُ يستصرخُ خطواتها المفزوعة // المفزوعةَ من ظلّ بيتٍ // دعامتُه سقطتْ فوق رأس الصّحوة // عندما كان الحلمُ نائماً.
سردٌ يقفُ شامخاً باللّغة الطليقةِ المستخدمةِ إلى قرونًا قادمةً.
الوجع ُيؤجّلُ اللقاءَ… القلبُ مسيّرٌ منها ولها.. أيُّ صورة عشقٍ تمثّلها “الكاتبة”.. حتى الطريق يستصرخُ الخطواتِ المفزوعةَ، وكأنّه يطلبُ من الطّرفين الإقدامَ، والتغلبَ على كلّ العوائقِ التي تحاولُ الجمعَ بينهما، ولو كان حطامُ البيوتِ والأسقفِ التي يستظلّون بظلّه.
ولاحظَ التفوّقَ على الذّات عندما تصفُ “الكاتبة” بالمجاز والكنايةِ التى تقطرُ دماً، فنهيم ُمع حروفها وتعبيراتِها الغارقة في الجمال ــ سقطتْ فوق رأس الصّحوة ـ عندما كان الحلمُ نائماً.
وهي دعوةٌ للإنتباه والإخلاصِ للمحبوبِ في كل الظروف.
ثم تنطلق “الكاتبة” إلى سردِ منحنى الحلّ “للعقدة” ولا أروعَ …
((بردٌ يحتلّ المكان، وضبابٌ يجتاح الزّمان بغتةً.. سطا اللّيلُ بمنجلِه على الزّمكان، واجتثّ الرّعبَ الذي في القلب، ثمّ زجّ بالظّلام وراء قضبان قدّيسٍ يرعاه، وحلّ عقالَ القمر، ولكن دون أن يستلّ ضوءَه.. فتوارتْ نجمةُ الصّبحِ وراء مزنةٍ مترعةٍ بالغيث.. تركتْ غيمةً تُنذر بمطرِ المنذرَين، ومازالَ البرقُ يستقصي عنها الرّعد.!)).
بنفس الحسِّ الوصفي ترسمُ لنا “الكاتبة” خطَّ النهاية.. الذي يصلُ بنا إلى “النقاط التنويرية” من وراء السرد، ونكتشفُ تلك العلاقة ِمن حيث الشخوص والزمان والمكان…
//بردٌ يحتلّ المكان // ضبابٌ يجتاح الزّمان // بغتةً.
// سطا اللّيل بمنجله // على الزّمكان //اجتثّ الرّعب من القلوب.
//زجّ بالظّلام وراء قضبان قدّيسٍ// قدّيسٍ يرعاه// حلّ عقال القمر.
ولكن…
//دون أن يستلّ ضوءه // فتوارتْ نجمة الصّبح وراء مزنةٍ مترعةٍ بالغيث.
//تركتْ غيمةً تُنذر بمطر المنذرَين// البرق يستقصي عنها الرّعد.
تصوير بليغ للعودة من الظلام إلى النور، وما يتطلبه ذلك من كل قلب يعشق تراب (الأوطان) ـــ بطل كان أو وبطلة ـــ
لكل الشخوص، والصراعات التي يمكن أن تنشأ على سطح الكرة الأرضية، فكل الشخوص تتلاشي أمام الأوطان، ليبقى الوطن.
وبهذا تأتي “الكاتبة” (بالقفلة) المتوافقة مع السرد، وعلى غرار النهج..
((رفع اللّيل أستاره، وقد اكتحَلَ وقاره.!)).
ويا لها من “قفلة” تحمل بذور الأمل الأكيد في عودة المحب إلى أحضان محبوبته.
خالص تقدير للأستاذة: إيمان السيد .. على النص الدسم، وتحية…
والله ولي التوفيق

السابق
غيث
التالي
قراءة تحليلة في نص “إنقاذ”

اترك تعليقاً

*