قراءات

قراءة نقدية في نص “قلبان في القفص”

للكاتبة نجاة قيشو

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة النقدية

تمهيد عام:
كما تعودنا أعزائي القراء عندما أريد أن أشرع في إنجاز قراءة نقدية ،أقوم فيها بتشريح نص من النصوص التي تستفزني ،و تستهويني ، ولا يصل استفزازها حد القراءة فحسب وانما استل القلم من غمده ، لتسليط الضوء على معالم الجمال ، ومواطن الضعف والقوة فيه . ولكن للقيام بهذه العملية الصعبة والمسؤولية العظمى التي يتحملها الناقد اتجاه أثر المبدع ،يستوجب على الناقد أن يتزود بالمعلومات الضرورية والمقاييس و المعايير النقدية السليمة التي تجنبه الوقوع في إصدار أحكام القيمة العشوائية التي تضر النص وبالتالي تحبط المبدع وتثبط عزيمته ، ولهذه الأسباب كان النقاد القدماء يشترطون في الناقد أن يكون حسن المراس ، متميزا بالدربة والتذوق والقدرة على إصدار الحكم ، فاعتبروه (كالصيرفي) يميز السليم من المزيف ،وما دمت لا أتوفر على هذه المقاييس والمعايير التي يجب أن تتوفر في الناقد أعمد دوما إلى الاتكاء على موقف أو وجهة نظر لمبدع أو ناقد ، له باع طويل في مجال النقد الأدبي وعلى وجه الخصوص فن القصة القصيرة نظرا لكونها من أكثر الفنون السردية صعوبة ودقة ، وتبعا لذلك ارنتأيت أن استهل دراستي هذه بوصية من وصايا مبدع الأرغواي في مجال القصة القصيرة وهو (هوراسيا كيروغا )يقول في كيفية كتابة القصة القصيرة :” حين تكتب لا تفكر بأصدقائك أو التأثير الذي قد تحدثه قصتك ،احك قصتك كما لو كانت تهم العالم المحدود لشخصياتك والذي قد تكون جز منه هذه هي الطريقة الوحيدة لتبعث الحياة في قصتك .” انطلاقا من هذه القولة المهمة سأعالج نص ( قلبان في القفص ) لنجاة قيشو لنقف على مواطن قوته وضعفه، وعلاقة الكاتبة بالقاريء وسننطلق كما تعودنا من العنوان باعتباره المفتاح الاساس للنص.

العنوان:
يقول هوراسيو كيروغا ” لا تبدأ بالكتابة دون أن تعرف أين ستذهب من أول كلمة ،في القصة القصيرة الجيدة الثلاث أسطر الأولى هي تقريبا بمتابة الثلاث أسطر الأخيرة ” . يتضح أن الكاتب الجيد للقصة القصيرة من وجهة نظر هوراسيو هو الذي يحسن السيطرة على زمام الأمور ويقيد القاريء من السطور اﻷولى في القصة ، وأقول أن الاستهلال ، والعنوان كلاهما مفتاح النص الجيد الذي يشد القاريءإليه شدا . ترى هل توفقت الاستاذة نجاة فيما ذهبنا اليه ؟!، طبعا عنوان اختياره موفق ومستفز وناجح للأسباب التالية ، تعودنا في أدبيات العلاقات والعواطف البشرية ، أنه كلما اجتمع قلبان كلما كان ذلك إشارة لميلاد قصة حب بغض النظر عن كيفية نشأتها أو كيف ستنتهي ، كل ما يهمنا هو أن هناك علاقة رومانسية تجمع بين شخصين ، وهذا في حد ذاته طعم فعال لجلب القاريء وشد انتباهه ، فكلما تكلمنا عن ما هو عاطفي كلما كنا أكثر انجدابا لمتابعة أحدات النص ، والتفاعل معه ، فالنقاد العرب اعتبروا أن ذكر الأحبة في المقدمة الطللية من أسباب نجاح القصيدة الشعرية ، فكانوا يقولون بأن النسيب لائط بالقلوب ، هذا أيضا نلمسه في القصة القصيرة ، فهناك إذن قلبان وهذا يعني أن هناك حب ورومانسية ، ألم نقل في أدبياتنا الشعبية ( رجل وامرأة ثالثهما الشيطان) و ما يجعل العنوان أكثر جاذبية هو أن هذين القلبين في (القفص ) ، ونحن نعرف بأن القفص رمز للعبودية ،عدم الحرية ، التقوقع في سجن او ، المهم هو أن هذه الكلمة تشير إلى الحرمان من الحرية ، فلنؤمن بنظرية الاستقبال والاستجابة التي تدعم حضور القاريء للتفاعل مع النص وإعادة تشكيله ، والشراكة فيه ، لكن أن نتوفق أولا في القبض عليه . يقول كارسيا ماركيز :” إن القبض على أرنب أسهل من القبض على القاريء “. وهنا تظهر لنا أهمية العنوان جلية واضحة ، ،سيلاحظ القاريء الكريم أني أسهب في الحديث عن العنوان فانا أعتبره هو اللوحة الإشهارية لبيع المنتوج ،ت بدونها لا يمكن الإقبال على البضاعة.

المكونات الأساسية في النص:
بناء على قراءتي المتواضعة لهذا النص ، استنتجت أن الأستاذة تعالج ثلاث ، أفكار أساسية ويمكن اعتبارها ثيمات لأن كل واحدة تكاد تستحوذ على المعنى العام للنص ولا يمكن أن نفضل واحدة على أخرى ، هذه الافكار رغم تنافرها كلها سلوكات إنسانية ذات معان راقية على المستوى السلبي أو الإيجابي ، وأجمل هذه الأفكار فيما يلي : تركز الأستاذة نجاة على التضحية بالنفس والنفس والنفيس في سبيل حرية الوطن، ويتجلى ذلك في السلوك الشريف الذي نهجه عمر اتجاه جلاديه ، فرغم ما قاموا به من تعذيب همجي له لم تلن لهم شوكته لأنه صاحب قضية ويؤمن بها حتى الموت ، وربما هذه الفكرة الإنسانية العميقة هي التي ظلت تهدد كيان الاحتلال في جميع أنحاء العالم وعبر الأزمنة والعصور ، يكفي ان نؤمن بأننا أصحاب حق ، وهذا الحق يتطلب منا أن نمنحه أنفسنا ونضحي من أجله ، (والحياة دائما تنبني على التناقض ) كمايقول المفكرون ، فإذا كان هناك الإيمان بالقضية والتضحية من أجلها ، فهناك أيضا خيانة الوطن ، خيانة القضية وما أكثر هذا السلوك البشري الدنيء ، الذي يتخلى فيه الإنسان عن إنسانيته وعن مبادئه ، فيسهل عليه أن يبيع أهله ووطنه ويتخلى عن هويته ، مقابل التافه من المقابل ، ولكن الإيمان بالقضية ، ينتصر على الخيانة ، والخنوع والخضوع ، ولولا ذلك لما عرفت الأمم والشعوب التحرر و الانعتاق ابدا ، أما الفكرة الثالثة وهي التي تنهج فيها الكاتبة بعضا من الغرابة والإدهاش ، فقد تحولت علاقة السجين عمر بالطبيبة من علاقة تطبيب إلى علاقة حب ، هذا الحب ، أو ما نسميه بالعشق المستحيل أو الممنوع وقس على ذلك من العناوين ، فكثيرا ما سمعنا وقرأنا عن هذا النوع من الحب الذي تؤدي ضريبته في أحيان كثيرة من حياة المتحابين لأ نهما يكونان ينتميان إلى طرفين متناقضين ،فيحول هذا التناقض دون جمع المحبين ،وهذا ما نلاحظه في هذه القصة الجميلة ،إذ يستحيل أن يجتمع المظلوم بابنة الظالم ، إلا إذا حدثت المعجزات ، وإن كنا تعلمنا عبر العصور أن الحب يصنع المعجزات ، وفعلا لولم يكن ذلك لكان مصير عمر القتل وبالتالي ضرب المقاومة بأكملها ، ولما ضحت الطبيبة بنفسها من أجل إنقاد حبيبها ، لأنها هي أيضا ستصبح متهمة بالخيانة ، هذا التشابك في العلاقات والمواقف والسلوكات الإسانية ،هذا الخليط كله هو الذي اختمر في ذاكرة الأستاذة نجاة وذلك لتنحت منه هذا البناء القصصي الرائع بشخصياته وأحداثه ، على اعتبار أن القصة بأكملها لن تكون إلا محاكاة لواقع معين ، فالأستاذة لم تكن تحمل كاميرا الصحفي وتنقل هذا الواقع ،فهو مجرد واقع افتراضي قد يقع في أي وقت وفي أي مكان وزمان ، شريطة أن تكون هذه المحاكاة مقبولة من طرف المتلقي ،كما سنرى في هذه الفكرة بالذات.

المقومات والعناصر اﻷساسية:
سنعالج في هذا المحور مجموعة من المقومات الأساسية التي ،تتسم بالأهمية في القصة القصيرة بصفة عامة ، ونعطيها أهمية كبرى على اعتبار أنها هي ديدن بناء النص القصصي ، والبناء بدون دعائم حتما آيل للانهيار .وسنبدأ بتوأمي الفن السردي وهما المكان والزمان :
المكان: تحاول القاصة نجاة قيشو أن تروم الواقعية في نصها ،وذلك من خلال الإفصاح عن هوية بعض عناصر الصراع ، فيتبادر إلى ذهن القاريء بمجرد اطلاعه على النص أن الأحداث تجري في منطقة ما من قرى المغرب الجبلية ، ويتجلى ذلك من خلال ذكر بعض المؤشرات الدالة على المكان نذكر منها على سبيل المثال ، سفح الجبل الذي ورد في حديث الخائن (البياع) لتوماس ، وهذا سيؤكده عمر من خلال حيرته وقلقه عندما سمع بسفح الجبل ، لكن المكان الأساس في النص لا يعدو أن يكون ، زنزانة لا تتجاوز بضعة أمتار ، إضافة إلى أماكن التعذيب في أقصى الحالات . فالاحتلال إذن هو احتلال المغرب ، والمحتل هو الاستعمار الفرنسي الغاشم ، الذي كان يعيث في الأرض فسادا منكلا بالمقاومين وبمساعدة الخونة واللصوص ، والذين سيحققون الثروة حتى بعد الاحتلال ، فهذه الإشارة من الأستاذة نجاة ، ذات أهمية كبرى ،باعتبار النصوص الأدبية أيضا يمكن اعتبارها وثائق ،تاريخية ، وتؤرخ لمرحلة من المراحل المهمة جدا في تاريخ المغرب.

الزمن: إذا كان الزمن بصفة عامة هو تلك الفترات التي تختلف باختلاف تنمية الأحداث وتنوعها ، وتحركات الشخصيات ، ابتدأت الاستاذة بالنسبة لزمن النص بالليل الذي يعرفه الجميع و هو الوقت المناسب لإشعال فتيل الحرب ، وهو ما عبرت عنه الأستاذة وهي تحكي أحداثها ، وتقص علينا ماوقع تلك الليلة حتى تم القبض على عمر ، زمن النص بصفة عامة مرحلة من أخطر المراحل التي عاشها المغرب إبان الاحتلال الفرنسي .ولا أريد هنا أن أطلق الكلام على عواهنه ،وأن أطلق إسقاطات وإنما هذا تتبثه الوقائع التاريخية وما نص الاستاذة إلا وثيقة يمكن اعتبارها تاريخية.

الشخوص: ركزت القاصة نجاة في هذا النص على نوعين من الشخوص ، شخوص رئيسة وأخرى ثانوية ، فأما الرئيسون ، فهم الذين يركز عليهم ، في القيام بالأحداث في النص ، وهي الرقيب الفرنسي توماس والمقاوم عمر والطبيبة إيملي ، وقد اعتبروا كذلك لأنهم يركز عليهم في القيام بجل أحداث النص ، وهي شخصيات متناقضة في السلوك والتصرفات ، فتوماس يريد سحق المقاومة في شخص عمر المقاوم الصامد المؤمن بقضية الأرض ، وحرية الوطن ، لهذا نراه يتحمل كل أنواع العذاب ، أما الطببة ، فتشكل ، صحوة الضمير الإنساني ، والإقرار بأحقية عمر في حرية بلاده ، إضافة إلى حبها لعمر ، حيث ساعدته على الهروب وبالتالي إنقاد المقاومة المرابطة في سفح الجبل ، رغم أنها كانت على وعي بخطورة فعلها ، ووعيها باستحالة تحقيق ، العيش مع عمر تحت سقف واحد ، وهو ما سبق أن عبرنا عنه بالعشق المستحيل أو الممنوع ، لتنافر وتناقض محيط الطرفين ، أما الأبطال الثانويون فهم الذين ذكروا في النص عرضا أو ذكروا لغاية تنمية الأحداث في النص ، ونذكر منهم على سبيل المثال ، أفراد المقاومة والبياع ، والجلادون ، وباقي لفيف العسكر والقاومون الذين كانوا يساهمون في الهجومات ، هؤلاء الشخوص رغم ذكرهم بشكل محتشم ، في شبكة الأحداث إلا أنهم لهم أهميتهم ، لأنهم يساهمون بشكل أو آخر في بناء حبكة القصة ، بأكملها ، لهذه الأسباب أكاد أجزم بأن كل عنصر من الشخوص ، رئيس لانه . لاوجود للبطل الأساس بدونه ، فجميع العناصر والمكونات تتظافر فيمابينها ، لتعطينا متنا قصصيا جميلا ، يجعلنا لا نبرح مكاننا إلا بعد إتمامه ، فكل عنصر يكمل الآخر ، وبذلك تخرج القصة في أحسن صورة وأجمل تقويم.

السرد: إن هذه العملية هي القصة باكملها ، فشلها ينبيء بفشل العمل االإبداعي برمته ، والسرد هو كيفية نقل الكلام المحكي إلى المتلقيى، من خلال السارد ، وبمؤثراته الفنية الخاصة ، ونجاح القصة كذلك يعتمد أساسا على إبداع السارد ،لأن الهدف من هذه العملية بصفة عامة ، هو نقل الرسالة إلى المتلقي ومحاولة شده لمتابعة أحداث النص ،إلى النهاية وهذه بطبيعة الحال هي الغاية المثلى لكل كاتب أو مبدع ، فإذا نجحت عملية النقل أي السرد وشد القاريء والتحكم فيه نجح المبدع في مادته التي يقدمها له ،وأظن أن الأستاذة نجاة قيشو كانت على وعي بمدي أهمية هذه العملية ،فنجدها جعلت السارد(ة) يتحكم في إنتاج الكلام المحكي وتوزيعه بشكل منتظم على الشخوص ، وإن كان الإستحواذ على عملية السرد كله من طرف الساردة ، أما باقي الشخوص ، فإنهم لم يساهموا في العملية بشكل مباشر ، بل كانوا يشاركون من حين لآخر بشكل خجول جدا ، في بعض الحوارات البسيطة ، والتي لاتبرز أهميتهم في عملية السرد ، نستشف من هذه العملية التي تقوم بها الأستاذة نجاة قيشو، أنها تحاول قدر ما تستطيع إشراك القاريء ، في عملية إنتاج النص ، إيمانا منها بأنه بمجرد ما تلفظه ذاكرتها يصبح في عهدة القاريء ، الذي تصبح له أحقية ،تشكيله بالطريقة التي تناسبه ووفق خلفيته الاجتماعية والثقافية . تحاول القاصة أن تخلق القاريء المتفاعل والمساهم في عملية االإبداع ، في هذه المساحة الضيقة (القصة القصيرة) التي تصاغ فيها عوالم بشخوصها وأحداثها ، والتي تودع في ذمة القاريء ، ليساهم بشكل أو آخر في إعادة تشكيل هذا البناء و صياغته ، وهذا في حد ذاته يعتبر نجاحا للكاتبة لأنها تكون حققت المبتغى ولم تضع مجهوداتها سدى .لتحقيق هذا الهذف تلجأ القاصة إلى بعض المؤثرات كما سنرى:

اللغة: من أبرز المؤثرات التي تعمل بشكل أو بآخر على التحكم في القاريء ، فهو العنصر الذي يشكل شوكة في حلق المبدع ، فعندما يكون الكاتب بصدد الكتابة ، وهو يضع نصب عينيه هذا القاريء الذي يرهبه .يجب أن نكون على يقين بأن عملية الكتابة ستكون فاشلة ، لهذا يوصي نقاد القصة القصيرة ، بأن يغلق الكاتب على نفسه جميع المنافد التي تجعله يفكر في القراء أو الأصدقاء أو ماشابه ، فيعتبر أنه يكتب فقط لذلك العالم المحدود للشخوص ، ويعتبر نفسه جزء لا يتجزأ من هذا العالم . يقول هوراسيو كيروغا في هذا الصدد :”حين تكتب لا تفكر بأصدقائك او التأثير الذي قد تحدثه قصتك، احك قصتك كما لو كانت تهم العالم المحدود لشخصياتك والذي قد تكون جزءا منه ،هذه هي الطريقة الوحيدة لتبعث الحياة في قصتك”. ولعل أبر ز مؤثر يجلب القاريء هو اللغة .فاللغة عند المبدع ، تفقد تلك الغاية التي وجدت من أجلها أي عملية التواصل ، وإنما تصبح ناقلا لمجموعة من الصور التي تتفتق عن ذاكرة الكاتبة ،على شكل انزياحات وبلاغة غموض تثير في نفس القاريء الإعجاب والاندهاش ، وفي أحيان أخرى الغرائبية ، لهذه الأسباب نجد أن الأستاذة نجاة . تعمد من حبن لآخر إلى توظيف هذه الانزياحات اللغوية على شكل صور يستهدف منها خرق المألوف أو إعادة تشكيل المألوف في قالب جديد ، أكثر تأثيرا على المتلقي نظرا لكونه يبحث دائما عن التحليق فوق الواقع فكل ما يحلق ،يبعث على المتعة الفنية ، والإدهاش والاندهاش والغرائبية يشد القاريء ، وربما هذه الخاصية هي التي لا ينتبه لها الكثير من كتاب القصة القصيرة ، فيوظفون اللغة التي لا تربو عن نقل الخبر متناسين أن النقل المباشر ليس خاصية أدبية وانما صحفية ، فكلما كان النزوح إلى الانزياح وإبداع الصور الفنية كلما كانت الاستجابة للنص من طرف النقاد ، وكثير من الكتاب من يستهين بالقاريء ، متناسيا أنه أخطر ناقد يمكن أن يقلب الطاولة على رأسك في اية لحظة وفي جميع المجالات . لأنه هو المعني أساسا بالعملية الإبداعية ، الأستاذة نجاة قيشو على وعي تام بما سبق أن ناقشناه في هذه النقطة بالذات ،فهي أشبه بالطباخة الماهرة التي تحسن استعمال الملح في الطعام ، فهي من حين لآخر توظف هذه الانزياحات اللغوية لكن بشكل أكثر اقتصادا ، مما جعل من لغتها السهل الممتنع ، الذي لا يوغل في الإبهام والغموض ولا يوغل في المباشرة التي تجعل النص مبتدلا مرفوضا من طرف المتلقي ، لأ ن المبالغة في الانزياح في كثير من الأحيان ما ينفر القاريء خصوصا إذا كانت انزياحات يتكلفها الكاتب ، إذ تخلق نوعا من التشويش في ذهن المتلقي ، والعلاقة المقدسة التي تجمع الملقي والمتلقي هي الرسالة (القصة) ، لذلك ، فإننا كقراء نقبل نسبيا على هذه البضاعة التي تعرضها الأستاذة ، نجاة للاستهلاك ،فهي أشبه بالتاجر اللبق الذكي الذي يستعمل جميع الحيل والمؤثرات لبيع سلعته ، والذكاء الإبداعي يكمن اساسا في طريقة التعامل مع لغة النص وجعلها تنسجم والمضامين المحكية . لهذا نقول هذا أسلوب مترهل ، يغلب عليه الإسهاب والتطويل الممل ، وهذا أسلوب محكم جميل العبارة عذب الأسلوب ، ولا أريد أن أدخل في هذه المتاهات النقدية التي لا تنتهي ، ولكن لا بأس من الإشارة إليها تعميما للفائدة ، الأستاذة نجاة قيسو ليست إلا متكلما له شخصيته وله خلفيته الثقافية والاجتماعية ، والأساليب اللغوية تتشكل وفق هذه الخاصيات المتكلمية وأقول المتكلمية وليس الكلامية كما يفهم البعض ،والفرق بينهما شاسع ، يعني هذا أن الكلام بصفة عامة هو فضاء لغوي ، غير متشكل ، مكون من مجموعة من المقولات والوحدات اللغوية المنتشرة هنا وهناك ،لكن تشكيلها في سياقات كلامية يخضع لظروف متكلمية ،أي أن المتكلم يشكل الكلام ، تبعا لخلفيته الاجتماعية والثقافية ، والنفسية ، الخجول حتما سيعطيك جملة لا تستصيغها الأذن سيغرقك بالتأتأة ،كما الاجنبي ، ما أريد قوله هو أن الأساليب الأبداعية أيضا تخضع لمعيار تشكيل الكلام. .فالأستاذة نجاة قيشو بخبرتها تمكنت من توظيف لغة جميلة فيها انزياحات حينا وتكاد تكون مباشرة حينا آخر ، لكن هذه الطريقة تجعل النص متذوقا ومحبوبا من طرف لقاريء ، وهذه وجهة نظري الخاصة ما دام النقد بصفة عامة لا يخضع لمقاييس علمية .مأخذ بسيط على الاستاذة وهو ان القصة القصيرة اجمالا تستوجب التكثيف والترميز والإيحاء ، لكن الطريقة التي اعتمدت الأستاذة تكاد تكون كتابة روائية .
خاتمة :
يتضح من خلال هذه القراءة النقدية أن الأستاذة نجاة قيشو تمتلك الوسائل التقنية لنجاح عملية السرد ، وإن كان المطلوب أن تعمد إلى التكثيف أكثر ، كما أن قفلة النص ، كانت غير مفاجئة ، وفي اعتقادي أن النص انتهى في الوقت الذي أغمي فيه على الحارس ، ما سيأتي سيتوقعه القاريء ، لهذا أقول إن القفلة هي بمتابة محصول القصة ككل لذلك من الواجب اعطاؤها الأهمية التي تستحقها ، وفي الختام نتمنى للأستاذة نجاة مسيرة سردية موفقة ول من ار على الدرب وصل .

من مواليد 5 يوليو 1959 بوادي، إقليم خريبكة، التحقت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية وتحصلت على شهادة الإجازة في شعبة اللغة العربية وآدابها!، جامعة محمد الخامس بالرباط، بعد حصولي على شهادة البكالوريا في شعبة الآداب العصرية سنة1980. التحقت سنة 1985 بالتدريس، تخصص اللغة العربية وآدابها!، وفي سنة 2007 التحقت بالإدارة التربوية بالرباط، ولا زلت أمارس مهامي بها إلى حدود كتابة هذه السطور!.
أغرمت بالقراءة والكتابة منذ نعومة أظفاري ،فقرأت الرواية والقصة القصيرة والشعر خصوصا الشعر الملتزم ، لكني كنت ميالا لكتابة القصة القصيرة، عزفت عن الكتابة والقراءة لفترة طويلة جدا ، أمام غياب الدعم و التشجيع والتحفيز !
ابتداء من 2014، عدت إلى غمار الكتابة، في مجال الخاطرة والمقالة بمختلف مشاربها، وألوانها، وقد لاحظت أن الشخوص تغلي في ذاكرتي كالحمم التي تبحث عن ثقب للخلاص، وكان فعلا إنتاجي في القصة القصيرة في هذه الفترة القصيرة جدا غزيرا جدا!
دخلت مغامرة النقد في مجال السرد والشعر، أملا في إنصاف الكثير من المبدعين الذين تضيع نصوصهم في أعمدة منتديات العالم الأزرق دون أن ينتبه لهم أحد !.
قمت بنشر إنتاجاتي الأدبية في مختلف المنتديات الأدبية، وفي أغلب المجلات الإلكترونية والورقية في مختلف أنحاء الوطن العربي، لم أبحث يوما عن الشهرة والتميز بقدر ما كان همي الارتقاء باللغة العربية ، التي مع الأسف تسير نحو الهاوية، وأتمنى أن أوفق في هذا المسعى، وكلي إصرار على تحقيق هذا الهدف إن شاء الله !.

السابق
وحدة
التالي
سـلالــة

تعليق واحد

أضف تعليقا ←

  1. نجاة قيشو قال:

    قراءة فصلت القصة توقفت عند كل صغيرة و كبيرة بدءا بالمضمون و انتهاء بالبناء الفني، كل الشكر و التقدير على هذه القراءة الوارفة

اترك تعليقاً

*