قراءات

قراءة نقدية في نص “لكم سلام”

للكاتبة هنادي بلبل

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

لقد استوقفني العنوان كثيراً (لكم سلام) وانزياحته الموغلة في الرثاء.. لقد هزني.. نعم.. جميعنا يتوق إلى السلام، ولكن هل هو مغزى العنوان؟
من هنا كانت الهزة!. لذا انسرقت من كل التأولات، وولجت لمتن النص قاصداً القراءة وتأويلاته كاسراً لكل القواعد التي تبنى عليها قواعد النقد، وتركت لنفسي رصد الانطباعات التي تجول بخاطري كما هي…
“البداية”
((وأنا أتكئ على الأريكة المتهالكة؛ والحزن يسكبني في قالبها سكبا.. شلل الحركة يصيبني في العمق، والأنفاس تتقطع كنغمة شاردة من محطة إذاعية رديئة البث.. أُراوح صمتي بذهول أمام شريط الحكايا…))…
“البطلة” الحزن أحالها من الحالة المادية المتماسكة إلى حالة سائلة مائعة، تحاول أن تتكئ على أريكتها المتهالكة، فيسكبها الحزن في قالبها، و(القالب) هنا يتحول من أريكة إلى إناء يتماشى مع الوصف.. هذا المشهد الأول الذي يتداخل معه المشهد الداخلي “للبطلة” غير الملموس..//.. شلل الحركة يصيبني في العمق// الأنفاس تتقطع كنغمة شاردة من محطة إذاعية// المحطة رديئة البث//..
صورة حددتها “الكاتبة” بعناية فائقة، بدلالات محسوسة وملموسة، لكي تصل إلى إقناع المتلقي عندما يصيب روحها الصمت، والذهول أمام شريط الحكايا التي تلفها..
ثم تأخذنا “الكاتبة” بالتصعيد بالسرد المتنامي إلى منطقة الوسط “العقدة والحبكة”…
((أنت بطل التفاصيل وكل ما يسكنك من حيرة.. تراوغني دموعك؛ وأكشف مَكرَها سرا، أما الهروب أُتقن قراءته بعينيك جيدا…)) …
وتلاحظون معي التورية والإسقاطات، والأسئلة التي تطرحها “الكاتبة” بمهارة الحصيف (أنت بطل التفاصيل، وكل ما يسكنك من حيرة).
ونسأل: ــ
ـ من هو؟
ـ وما هي التفاصيل؟
ـ وأى حيرة التي تسكنه؟
وللإجابة عن تلك الأسئلة لها انزياحات عديدة؛ تختلف من متلقٍ لآخر، هل هو المحبوب؟ الوطن؟؛ الكل صحيح…
ثم تتبع “الكاتبة” إلى منحنى متتابع ظناً منها أنها تجيب على ما طرح من أسئلة، وهي تضعنا أمام هذا المنحنى لتسرد “العقدة” في ظل حبكة غارقة في بحار التورية…
// تراوغني دموعك// أكشف مَكرَها سرا// أما الهروب// أُتقن قراءته بعينيك جيدا//…
ونلاحظ حرفية “الكاتبة” في سردها المتخفي وراء مهارتها، والاحتفاظ بالسر لإثارة المتلقي وحرصها على إتاحة الفرصة لمشاركته في صياغة النص معها.
وتمضي “الكاتبة” في رسم خطوات حل “العقدة” تمهيداً إلى “القفلة” التي تحمل في طياتها “النقطة التنويرية”…
((لم تكن وحدك، حتى الخلايا صرخت لوجعك واستحث دموعي مواسية.. قصة مخنوقة رسمت عمرنا باختصار.. وطن يئن كل ما تملك!))…
وها هي “الكاتبة” تجمع بين الخليلين… // لم تكن وحدك// حتى الخلايا صرخت لوجعك// استحث دموعي مواسية//.
تأويل السرد متاح في بلاغة اللغة البسيطة والرصينة في آن واحد.. تذهب حينا إلى المحبوب أينما يكون (الأب ـ الابن ـ الأخ ـ الحبيب) وحيناً يذهب إلى الوطن.
ولنا وقفة مع اللغة.. الخلايا تصرخ لوجعك .. استحث دموعي مواسية.. تكثيف هائل، وتقطيع بارع، لم يخل بالمعنى المقصود.
وتكمل…// قصة مخنوقة// رسمت عمرنا باختصار// وطن يئن// كل ما تملك!
آه.. ياقلب ـ يا أبي ـ يا ابني ـ يا أخي ـ يا حبيب. كل ماتملك.. وطن يئن.. رسمت عمرنا قصة مخنوقة، وروح هائمة تهيم فوقكما، هذا كل ما أملك.
خالص تحياتي للأستاذة هنادي بلبل.. لك مني ألف سلام.

السابق
لكم سلام
التالي
الدَّرْبُ الوَعِر

اترك تعليقاً

*