قراءات

قراءة نقدية في نص “ليتني ظل”

للكاتب طارق ميلم

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

من البداية أتقدم بالشكر الجزيل للأستاذة: سعاد العتابي.. لطرحها مثل هذه الأعمال وإدارة حولها نقاش، وأنا بدوري يسعدني هذا كثيرا.
وبعد الإطلاع وقراءة القصة وجدت بعض الهنات وسمحت لنفسي بتصحيحها، وأخشى أن أكون خرجت على النص، وتطاولت على صاحبه، لكن هذا ما رأيته للأمانة الأدبية.
ولنبدأ القراءة بعين قارئ لا ناقد…
العنوان جاء بصورة أمنية، غير قاطع المعنى والملمح، وهذا يضعفه كثيرا، وكنت أرجح له (ظلال أو ظل) فقط
وقبل الدخول في القراءة التفكيكة لابد من تحديد جنس العمل الذي بين أيدينا.. فهو (قصة قصيرة) مكتملة الأركان، وإن غلب على السرد شبهة الشاعرية والجناس والطباق، ولكن ما ميزها استخدام “الكاتب” الجمل الأساسية التى تعلو بالبناء القصصي ارتفاعا.

 البداية..
(“قِفْ .. قَد بُعثتَ كَاتباً وشَمعاً وليِالٍ مُقدسة”
وأنتَ تسابقُ نفسكَ، بَحثاً عنكَ، عن ظلٍ يُنيرُ عَتمتك، عن طيف يُطفئ عَطشَ اشتياقك.
“فلا تَجدهُ ولا يَجدكَ”).
أسلوب مسرحي بارع.. يهيئ لنا الرواي موضوع الصراع ونعلم من هذا المقطع أنه صراع نفسي بالدرجة الأولى، وهي مع التصريح للمتلقي إلا إنا تفيض بالشاعرية المحببة لدي كثيرين من المتلقين والذي يخاطبهم “الكاتب”.
ويستمر “الكاتب” في استعراض مقدرة في العرض للتعبير عن دواخل الشخصية (البطل) والذي قصمه منذ البداية نصفين.. ربما يكون الكاتب نفسه، وربما يكون الراوي؟.
 (لا.. لأنكَ غَيرُ مرئي، بلّ لأنَ دَورك لم يَحن بَعد.
والآن مُنتصفُ اللحَظة.. مُنتصفُ زَمانِكَ وخَيالكَ الفُضي، منتصفُ كل شيء.
قَد أُخبرتَ مِن قَبل أن مَنفاكَ الحَقيقي هو ابتِعادكُ عَنك، عن اللاشيء حَولك، ثمَ أنتَ وحدكَ من خَلقَ ذلكَ البُعد، ووحدكَ من يَفتقدهُ…).
ونلاحظ جملة.(قَد أُخبرتَ مِن قَبل أن مَنفاكَ الحَقيقي هو ابتِعادكُ عَنك).
ومن هنا نتلمس أطراف الفكرة وبداية الصراع المراد من الكتابة وهو البعد عن كل شيء حولك؟
ويستمر “الكاتب” في طرح “البداي” بكل ملابساتها في عقل (البطل) وظله…
(ـ حَسناً .. كَم تَبعُد الآن؟
ـ أما يَكفي لأن تَموت بِهدوءٍ على رصيفٍ فرنسي، تَحتَ أقدامِ المارة المُعطرة بِغيابكَ؟
ـ أنتَ الآن قد عَبرتَ جُبَّ نفسُكَ !
ـ قَدْ أصبحتُ يوسف، دونَ أيّ قَميص!
ـ هل سَتعثُر علي ذاتك؟
ـ كُتبَ على الأنبياء الضَياعُ دائماً، وأنا نَبيُكم الكذابُ، ثمَ من قالَ أن الأنبياء كانوا ضِياعَ، إلى أن هَداهمُ الله؟
ـ أظنُ أنكَ مازلتَ مُشيّعاً نفسكَ تَنتظرُ الهداية؟!).
ونلاحظ سوياً تغير الأسلوب عند “الكاتب” وهذا يحسب له حتى لا ينصرف القارئ عنه، ويصيغ هذا الجزء الذى يمثل في الحوار القصصي (السرد) المدخل إلى منطقة (الوسط) من القصة التي تشتمل كل الشخصيات ومنازل الصراع وتناميه حت يصل نقطة “الذروة” لنجد الصيغة جاءت على هيئة (الديالوج) وهو صراع نفسي خالص، وكأننا أمام مشهد مسرحي بإمتياز ينتهي بتعقيب من (البطل) بواقع مؤكد لا فكاك منه وبطريقة بعيدة بقدر كبير عن الوعظ.
(ـ كُتبَ على الأنبياء الضَياعُ دائماً، وأنا نَبيُكم الكذابُ، ثمَ من قالَ أن الأنبياء كانوا ضِياعَ، إلى أن هَداهمُ الله؟
ـ أظنُ أنكَ مازلتَ مُشيّعاً نفسكَ تَنتظرُ الهداية؟!).
ويسترسل “الكاتب” في السرد لنصل معه إلى (الذروة) في القص…
(ـ أنا عالق هنا.. أطوفُ مقيداً بقشرتي الدنيوية، وَلسبب ما.. أشعرُ أنَ القيدَ يتحرّر، يَطوفُ بيّ لأقعَ في هاوية مظلمة أكثر مما تخيلتُ يوماً حيثُ الفراغ!
أشعرُ بقوة تزدادُ بوتيرة مختلفة.
نعم.. قَد يكونُ استقباليّ العظيم، و قَد تكونُ الهِداية؟!
رباه…
ما أجملَ أنَ تكونَ مُقدساً.. أن تُعيد تَمزيقَ التاريخ حَرفاً حَرفاً.. أنَ تحذفُ الفِصول وتُضيفُ آخرى.. أنَ تَكونَ كلماتُكَ لا نَقدَ فيها.).
ونجد “الكاتب” يستحضر النفس السوية في هذا المقطع وكأنه يقول الانتصار للعقل السوي وهي أول درس مستفاد من أهداف المبدع، وفي صياغة رزينة سلسة.
وبعد أن شعرت تلك النفس السوية بالطمأنينة والقوة، ولكنها بوتيرة مختلفة.. ليعيدنا “الكاتب” للإحتمالية ربما الإنصلاح، وربما النهاية؟
وتلك هي المعضلة.
ثم ينعطف بنا “الكانب” منحني الحل لكل ما عرض لنا أفكار باذخة شغلت بالنا وأضافت لنا الكثير، وهذا المنحنى يضعنا علة خط (النهاية) الخاتمة…
(يَقول أحدهم: الآن وَقد علمت الأسماءَ كلها.. إلّا أنكَ مازلتَ تَتقلبُ في فَوضاك.. يَبدو أنَ قِصتك تتقَمصُ دورَ عَجوز في الخامسة والعشرين من عُمرها.. تَعتصرُ حِكايات الليل الطَويل، فَلا تَجد ما تَقرأهُ لمساماتِ جَسدك المُنهدم.
ـ هل عَثرتَ عليك؟
ـ بلّ ابتعدتُ أكثرَ من ذلك؟ 
ـ هل ابتعدتُ حَدَ ابتلاع مِلحي؟
واصبحت حراً كما الموتى؟
غَرقت في بِبحر ظِلي؟
عندها أغرسَ حُلمي بينَ ضِلعي الزمن، وأقف مُنتَظراً العدم.).
وهذه (النهاية) تحمل نفس التناقض السائد طوال القصة، وتؤكد على الخير والشر داخل النفس البشرية، وسيظل هذا الصراع دائر إلى أن يرث الأرض وما عليها.
تحياتي للكاتب الأستاذ: طارق ميلم

السابق
شرنقة الوجود في نص “ليتني ظل”
التالي
مكافأة..

اترك تعليقاً

*