قراءات

قراءة نقدية في نص “ليتني ظل”

للكاتب طارق ميلم

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

قبل الولوج إلى النص، لا بدّ أن نستقرئ عنوانه، فالعنوان يشي بالنص بأكمله، أو على الأقل، يحدّد لنا طريقاً يوجهنا نحو مغزى النص، ومضمونه، ويفتح لنا نافذة على آفاقه.
ابتدأ الكاتب عنوان نصه بالتمني، أو طلب ما هو صعب المنال، وربما مستحيلا، فما هو هذا الصعب الذي يتمناه كاتبنا؟ ما الدافع إلى هذه الأمنية؟ هذا يدفعنا للبحث عن مفهوم الظل، ودلالاته المختلفة، وبالتالي، ندخل النص محمّلين بانطباع أوليّ كافٍ عن ماهيته، وأهدافه، ودوافعه، ومعاناته -بالتالي- التي تقف خلف هذا كله.
في البحث عن دلالات الظل، ورمزيته، فاجأني عمق واتساع هذه الدلالات، وإشاراته المختلفة بدءاً من الميثولوجيا القديمة، حتى الأدب المعاصر، بتقنياته الحداثية، مروراً بالقرآن الكريم والتصوف الإسلامي، والتراث الأدبي العربي.
فالفراعنة قديماً، كانوا يوجهون موتاهم نحو الغرب، حيث تختفي الشمس ويحلّ ظلام أبديّ، أي عدمٌ أبديّ يريح موتاهم.
وقد وردت مفردة الظل في آيات كثيرة، وبدلالات عديدة، لعلّ ابرزها الهداية والضلال، والحياة والموت، فأخذ الظلّ في التصوف الإسلامي بعداً هامّا، لكثرة الآيات التي ورد فيها، بمعان ودلالات مختلفة تتلاقى والفكر الصوفي ومايحمله من إشراق نوراني، وحجب وانعكاسٍ للإرادة الإلهية في الإنسان، الذي هو “ظل الله على الأرض”.
والحديث عن الظل سيقودنا، بلا شكّ، إلى مسألتين، الأولى تتعلق بالانعكاس، حيث إن وجود الظل دليل على وجود “شيء” يصنعه، وما لهذا الانعكاس من رؤى ذات علاقة بالامتداد والتضاعف و…وما ينطوي عليه من أمور ترتبط بفكرة الحركة، والزمن.
والثانية تتعلق بالأصل والفرع، وتفضي إلى حدٍّ ميتافيزيقي مرتبط بفكرة (العود)، عودة الفرع إلى الأصل.
والظلّ ليس ثابتاً، فهو متحرك، لحركة الشمس خلال النهار، ولحركة صاحبه أيضا،وهذه الحركة تشير إلى التغير، الذي هو من سمات ما هو حيّ.
وفي علم النفس، هناك ا تباطات خفيّة تجعل الظلّ مرتبطاً بالنور، في لعبة الضوء، فلا بدّ أن يكون هناك ضوء باتجاهك حتى يتشكل لك ظل على الجانب الآخر، ظلٌّ بلا لون،وخفيّ عن التفاصيل (عدا تفاصيل أطرافه)، يتشكل من انثياله اختزالات تختفي تحت بؤرة الضوء.
وفي الأدب الحديث، ومع تقدم تقنيات السرد ترسخت بطولة الظل، كمقابل نظري للغموض، أو السواد، أو تضعضع الحالة الوجودية للبطل البشري، في زمن تضعضعت فيه الحالة الإنسانية برمّتها، بسبب ما أفرزته الحضارة الحديثة من حالات اقتصادية – اجتماعية، انعكس تأثيرها سلباً على الحالة الإنسانية، التي عرفها البشر على مرّ العصور.
إذن، إذا كان الظل مرتبطاً بهاجسٍ إنسانيّ هو الموت، فإنه أخذ في مدوّناته المختلفة، الميثولوجية، والدينية، والصوفية، والأدبية، أبعاداً أخرى، أساسها الحركة والتغير وانعكاساهما الفكري: المكان والزمان، قبل أن يصل إلى البعد الذهني المتعلق بالموت. حتى ليكاد المعنى الموازي للظل أن يكون هو الحياة، فهو بآلية الحجب، انعكاس للنور ومكافئه الكوني الشمس، أي الحقيقة، وهو، باتساعه وانحساره، الحركة والصيرورة، وهو، بتشكله، يشير إلى أن هناك (موجوداً) يحجب، فليس هو العدم، وإن كان بلا حس أو تفكير; وليس هو موجود، وإن كان يكشف ما هو موجود، وهو يستر المحتوى والتفاصيل، وإن كان كاشفاً للحدود الخارجية.
لهذا كله كان اهتمام الأدب بتقنية الظل أو المرآة أو القرين اهتماماً كبيراً، لا سيما عند شعراء الحداثة وكتابها، لما تحتويه من آليات سردية متعددة وغنية. ولهذا استخدمها الكاتب طارق ميلم، في نصه الذي نحن بصدده، ليتني ظل.
 استنطاق النص
النص عبارة عن مونولوج طويل، حوار بين البطل وقرينه أو ظله.
“قف… قد بعثت كاتباً وشمعاً وليالٍ مقدّسة، وأنت تسابق نفسك بحثاً عنك، عن ظلٍّ ينير عتمتك، عن طيفٍ يطفئ عطش اشتياقك، فلا تجده ولا يجدك”
ها قد حدّد بطل النص، منذ البداية، وبلسان قرينه او ظله، ماهية البطل، وماهية معاناته:
كاتب وشمع وليال مقدسة… والكاتب نبراس، والكتابة رسالة، فالكاتب رسول، ومعاناة الكاتب، بطل النص، أنه في بحث لا يتوقف عن ذاته، عن دليل يؤكد وجوده، عن إنسان يعيد له الثقة بوجوده، وبعلاقته مع العالم المحيط.
يلفت النظر استخدام الكاتب تقنية الظل في التعبير عن الوجود، “عن ظلٍّ ينير عتمتك”. وكيف لظل أن ينير العتم؟ وهل ينير العتم العتم؟
هو خيال الموجود، يشير إلى وجوده، مترافقاً مع الطيف الذي يطفئ العطش..إنه الكاتب الإنسان، الذي يرى وجود الإنسان قريناً لوجوده هو، وكينونته مرتبطة بعلاقته مع الآخر.. هي، في النهاية، حالة الغربة التي يعيشها الكاتب، الفنان، الفيلسوف ، الحكيم، إلى آخر الصف الطويل من المفردات التي تشملها (الكاتب، والشمعة، والرسول)… هذا هو الغريب في عصره، ولا غرابة، فكل الأنبياء بدؤوا غرباء، بل إن الإسلام ذاته “بدأ غريباً، وسيعود غريباً” ، كما أخبر رسول الإسلام، ف “طوبى للغرباء”.
النبي محمد هاجر من قومه، وعيسى المسيح صعد طريق الجلجلة، ليخلّص بصلبه، أمّة تعيش في عماء الجهل، وعماء القسوة، ولتكون، بصلبه، قيامة عالم أراده متسامحاً، كما كان هو متسمامحاً، وأمه العذراء عاشت في قومها غريبة، لأنها تحمل الجنين المقدّس، وقبلهما هاجر شعيب، وتاه موسى وقومه أربعين عاما في خروجه من مصر، وإبراهيم الخليل، كان غريبا لأنه قال لقومه “إني براءٌ مما تعبدون”…ما عاش نبيّ عزيزاً في وطنه، فلا كرامة لنبيٍّ في قومه.

ويستمرّ الكانب، على مدار حوار البطل مع ذاته، يصف حالة الغربة، أو الاغتراب التي يعيشها، الشاعر أو الفنان، أو الإنسان المشبعة نفسه بحب الإنسان، والمشبع عقله بفكر واع منفتح، معتمداً على تناصات متعدّدة من الميثولوجيا، والقصص القرآني.

والشاعر، الفنان، الإنسان المشبعة روحه بحب الإنسان، مثل يوسف بين إخوته…غير أن حسن يوسف أنقذه، وهو النبيّ المعصوم، فكان قميصه الذي قدّته زليخة من دبر، سبب عزّته في أرض غربته، حين كشف نبوّته في السجن، ليكون عزيز مصر، وليكون قميصه هذا، من بعد، هو المنقذ للأب من العماء، وهو الإشارة التي تدلّ على بدء العودة أو بدء اتّباع قومه لرسالته، وشاعرنا المثقل بغربته، يتوه في شوارع منفاه.
حتى إن آدم نفسه، خسر الجنة لأنه أدرك الشجرة المقدّسة، وأكل منها، فحمل خطيئة، وحمّلها لأبنائه عقدة ذنب تحاصرهم في دنياهم…
المعرفة هي الخطيئة!، هكذا يخبر العهد القديم… والمعرفة جرم!، هكذا يريد لنا النظام العالميّ الجديد.
لكنّ آدم بهذه المعرفة التي تلقّاها من لدن ربه..”وعلّم آدم الأسماء كلها”، عمر الأرض، وبدأ خلقاً جديداً، ليكتب، بذرّيته على الأرض، سفر تكوينٍ جديد، أساسه الإنسان…وكما أن المفكر نبيّ زمانه، فعليه أن يبدأ الحياة بخلقٍ جديد، أن يكون آدم آخر، لا يسقط من السماء مثقلاً بخطيئته، بل ينبثق من بين الناس، ملتصقاً بالأرض…غير أنّ الناس منشغلين عنه بضيق عيشهم، وحروبهم، وفتاواهم التي تصل حدّ تبرئة قابيل من دم أخيه، لتخلق النسخ العصرية من قابيل، وليغمر الأرض طوفان جديد من دمٍ مراق، فلا يبقى أذن تسمع الشاعر – النبيّ، في دوّامة الجهل، وفوضى الحياة، وصليل الحروب…  وهذه هي مأساة الشاعر، مأساة النبيّ.
“ربّاه. ما أجمل أن تكون مقدّساً”…. يا لهذه العبارة الخطيرة!!
كيف لإنسانٍ أن يصير مقدّساً، وهو ملوّثٌ بعقده!؟، كيف يصل إلى القداسة، والأرض تشدّه إلى طينها!؟، أين منه القداسة، والعالم كله أصبح دنساً!؟.
هي هجرة الإنسان عن هذا الواقع الدنس، رحلته القاسية في اللامكان واللا زمان، صراعه الدائم ليعيد للإنسان إنسانيته، وللإنسانية قداستها وفطرتها السليمة، تجعله يتخلّى عن أنانيّته، وغروره، وحقده، وكبره….في طريق رحلته الشاق.
هي الغربة والضياع والتعلّق بشعاع الأمل أو الحلم أو الخيال، حتى إن كان ضئيلا، حتى لو ظلّ معلّقاً بين الواقع وبين الحلم، لا يهدأ ولا يملّ، مثل سيزيف يدحرج صخرته، في طريقه نحو قمة الجبل.
سيزيف اعتبر نفسه ندّاً للآلهة، فأفشى أسرارها المخجلة، وبطلنا اعتبر نفسه نبيّ هذا الزمان. وكلاهما، سيزيف والبطل، سيظلان يدحرجان صخرتهما، يحملانها على كتفيهما، في منتصف المسافة نحو القمة، منتصف المسافة نحو القداسة.
وكلاهما، سيزيف وبطلنا، يجسّدان هراء وسخف ولا منطقية ولا عقلانية الحياة الإنسانية، على حدّ وصف ألبير كامو.
إنّ لا منطقية الحياة، ولا عقلانيتها، ومأساتها الرهيبة، تتبدّى في الصورة الفظيعة: “عجوز في الخامسة والعشرين”.

هذا النص إذن، هو مأساة الإنسان المعاصر وملحمته وأسطورته، والبطل هو أديسيوس جديد، دون كيشوت جديد يصارع طواحين الهواء في بحثه عن قيم الفروسية المندثرة، قد يظل غريباً في قومه، قد لا يحقق ما يبتغي، وقد يموت دون تحقيقه; لكن يكفيه أنه يصارع ويكافح ولم يرض العيش مبتعداً عن قناعاته، وهو الكاتب الذي عرف، وأحس وحزن، فاغترب عن حمأة عالم غريب عن إنسانيته.

ولنقل كلمة، قبل الختام، عن تجنيس النص.
النص هو قصة قصيرة، اتخذ الكاتب الحداثة السردية سبيلاً لسكب مقولته، يبدو لنا ذلك من مظاهر الحداثة الواضحة في أسلوب الكاتب، كونه أطاح بالزمان والمكان في تأثيثه لنصه، وكونه زاوج بين الحدث وبين المونولوج، بل اعتمد المونولوج بشكل كامل ، وكونه أيضا نص بلا شخوص، أو أن الشخص الوحيد هو البطل وقرينه الداخلي، وبلغته التي توسل فيها الشعر، أو اللغة الشعرية، واستخدم التناص بكثرة ترميزاً يكفيه عن الشرح.
وأخيراً، النص يمتلك رؤية كونية فلسفية للحياة والإنسان والعصر، وهذا جعله يطيح بالحبكة، فالحبكة في النص هي ذلك الجدال الوجودي الذي يعكس ذاتاً متأزمة تأزم العصر، متأرجحة بين الحلم وبين الواقع، ويكاد يكون الحلم – الخيال، هو حبكة النص ذاتها، والعقدة الحقيقية في النص، يشكلها القارئ من مجمل الحوار، بما يفتحه في ذهنه من فلسفة خاصة، ورؤية للكون والوجود، بحسب أزمته الوجودية التي يعيشها، بعيداً عن النص، وعن كاتبه، أي أن النص، قد أطاح بكاتبه أيضا، أو يكاد.
تحية لكاتب النص الأستاذ طارق ميلم.
وتحية للأستاذة الشاعرة سعاد العتابي، لهذه الدعوة الكريمة، لمأدبة أدبية غنية، وجميلة.

السابق
ليتَني ظل
التالي
تَوَالِي…

اترك تعليقاً

*