قراءات

قراءة نقدية في نص “مصممة أزياء”

للكاتب سعيد موفقي

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

حينما اطلعت على نص القاص الجزائري المتألق الأستاذ السعيد موفقي ،والذي يحمل عنوان:”مصممة أزياء”،لامست هما يشغل الذات التي تعيش واقعا تختفي فيه الملامح…إنها ذات يعجزها سؤال الوجود فتلوذ بالماضي والتاريخ لتعيد الاعتبار لهويتها التي ضاعت بين تعدد واضح يقوم بتذويب التفاصيل وجغرافيا الشخصية..

يتألف العنوان من لفظتين:مصممة+أزياء،واللفظة الأولى تحيل على فعل العزم ـ الحياكة والخياطة…..وحينما تلتقي بلفظتها الثانية يصبح المعنى محصورا في الإطار الثاني،والمصممة تستدعي فعل الإتقان والابتكار والجمال والإبداع،والزي هو الملبس والهيئة ….إن العنوان هنا ينصرف معناه إلى ابتكار اللغة وتصميمها لتوائم منطق النص وعالمه،وجاءت”الأزياء” بصيغة الجمع للدلالة على واقع نصي يؤمن بالتعدد والتداخل بين الحداثة/التراث،ومن هنا فاللغة تتمظهر عن طريق لغة الكاتب بخصائص مكانية وزمانية مختلفة،وتستفيد من مرجعيات تتراوح بين الماضي والحاضر،ومن هنا تكمن حيرة الذات :أي الأزياء تصلح؟،وأي المقاسات التي تليق؟.
“تتجه كل الأنظار إلى فوهات العالم غير الطبيعية”،تعكس الجملة الأولى واقعا يفقد منطقه،فكل الذوات ترنو إلى مناطق التوتر ،حينما تحيد الأحداث عن مسارها الطبيعي لتتسم باللامعقولية،فالفوهة تعبر عن المكان المنغلق حينما ينفتح في منطقة ضيقة،وكأن بالعالم كله أصبح تعبيرا عن المكان المنغلق/الأسر ،ومن هنا تحاول الذوات الهروب من وضعها الراهن الخانق،بتلمس الخلاص من فوهات تعبر عن حالة الضيق،وفوق ذلك تخرج عن حدود الطبيعية والمألوف والمعتاد.
إذن فالذوات تنشد خلاصها من خلال استعانتها بحلول أقرب إلى المأزقية…”لم يعد يهمنا هذه المرة سوى صور الجرائد والمجلات التي تتابع شروق الشمس وغروبها،وأحوال الطقس المتقلبة في أوقات غير ممنوعة…..ولا تبالي بما حفظته من بوح في موسم الأسرار”.إن هذا المقطع يصور كيف تنشغل الذوات بهموم مبتذلة،تأصيلا لوعي مزيف يبتعد عن تصور الواقع الأصيل واهتماماته الحقيقية،وهذه الهموم هي التي تتواجد في أوقات غير ممنوعة لأنها تعبر عن زمن غير حقيقي يوسم بالغباء،حينما تلاحق الذوات انشغالات لا ترقى إلى مستوى واقعها الحقيقي،وما عدا ذلك فهو الذاخل في الزمن الممنوع إذ ستحكم عليه سلطة الوعي المقنع بالزوال،إذا ما حاول الولوج إلى عالم البوح والتمثل بشكل واضح….إن تلك الذوات المنكسرة والمضللة لا تبالي ببوح ملتحف بالأسرار والمسيج بالممنوع والرغبة الخطيرة ،التي تؤكد زمنا غريبا فاقدا لكل أوجه المعقولية،وإيراد جزء من ديوان الغماري هو تأكيد لمعنى اغتراب الذات التي تعيش راهنا متشظيا ،تعيش فيه الذوات في تصور دوني لواقعها واهتماماتها…….
“تذكرت ليلة من ليالي الشتاء الباردة….تتصفح مجلة صباح الخير في عددها الجديد…..في هجيع الليل والسكون يخيم على المكان…”.الزمن هو الذاكرة ليلا في شتاء بارد…إن الليل والسكون يعكسان واقع الاغتراب الذي تعيشه الذات،حينما يتم التستر على الحقائق وتغيب شمس الوضوح،فتعيش ذاكرة المجتمع أو ذاكرة النص في شتاء بارد يفتقد حرارة الاجتماع وتخيم الوحدة على لحظة الاسترجاع….ليس ذلك فقط بل وتحيا مفارقة تصور تأزم الذات في تراوحها بين لحظة الماضي/المستقبل،أو بين ليل الاغتراب وشمس الحقيقة والاجتماع حينما تقوم بتصفح مجلة”صباح الخير في عددها الأول”،ليس صباحا كما هو مفترض وإنما ليلا خوفا من انكشاف البوح أو تأكيدا على تعتيم الحقائق وتغييبها في ليالي التفاهة اليومية.
“واجهتها امرأة سمراء تحسن عرض الأزياء بشكل مغر….كل الفساتين والأقمشة والأحذية وحتى الحركات الراقصة تتناسب مع كل نوع”،تبحث الذات عن شكلها النهائي ونموذجها لكن في ثنايا واقع تخييلي كاذب يعلن ارتهانه للحظة الذاكرة المشوهة بفعل التلون والاستعارة….حينما تجد نفسها حبيسة تتبع عالم مزيف يتمظهر كل لحظة وكل يوم بشكل جديد لا يعبر عن هوية ثابتة ولا عن هدف واضح……الذات هنا تبحث عن انوجادها الحقيقي،لكنها تتلمسه في لحظة غير حقيقية،لذلك تجدها تواصل البحث في زمن شارد،علها تقع على المقاس الصحيح لشخصيتها،وكأن بالنص هنا يبحث عن تمظهره الحقيقي ولكنه لا يجد منطقه وسط لغة مشوشة مضطربة……”استوقفتنا صورتها وهي ترتدي فستانا صممته فنانة عالمية(….)قضت وقتا طويلا تبحث عن الجسم الملائم لفتاة تتوفر على الشروط…….غارقة في الألوان ..تقلب الصفحة،فستانها الثاني فاتن..صممته سيدة أمريكية لا يصلح إلا للأجسام الممشوقة ليظهر كل مفاتنها…الصورة التقطت للعارضة بصفحتين وإحدى يديها ممدودة…”،هل وجدت الذات تصميمها النهائي؟البحث كان عاكسا لكل حقيقة مستعارة لا شيء هو منجز ذاتي ،وتلتقي الذات بما تراه موائما للحظتها…”انجذبت إليها …تتمتم:هذا الفستان ذو الألوان يناسبني،ولعله تصميم جديد..لا ترتديه إلا امرأة يملؤها وتملأ تجاويفه الخاوية…تعطيه أسرارها ويعطيها شكلا مختلفا..”البطلة تجد ما يناسبها :نموذجا متعدد الألوان يملؤها إلى حد التماهي والاحتواء،وفوق ذلك تتنازل له عن أسرارها أو عن ملامحها وهويتها ليبرزها شكلا جديدا يختلف عن حقيقتها،ومن هنا يتم تسليم الهوية والملامح إلى الزمن الدخيل أو إلى الوعي الزائف،ليتم نمذجتها بما يناسب هذه اللحظة الفاقدة لكل حس ومعقولية والتزام.
“تقوم من سريرها وهي مثقلة بالحلي..تحز في نفسها رقصة..لم تسعها الغرفة وهي تتنقل بين مساحات البهو…تتعثر أحيانا…طقطقة حذائها العالي تدوي في زوايا البيت….تتسلل نسمات إلى الغرفة عندما كانت نافذتها المطلة على الساحة العمومية تكشف تفاصيلها الداخلية والعابرون يكسر فضولهم ظهورها واختفاؤها…”.إن هذا المقطع يعبر عن لحظة التشتت عن ذات مبعثرة لا تعرف طريقها،فتفضح وجودها المنبني على التوتر واللاتحديد في غمرة ذلك البحث المفتقد للوضوح والمعقولية،لذلك تنتهي لحظتها تلك بمشهد مغاير لرغبتها”لدى باب الغرفة تتعثر تفقد أحد كعبي حذائها تسقط…تصرخ…يغمى عليها التف الجيران…تستيقظ:ما لكم تكأكأتم علي كتأككئكم على ذي جنة…افرنقعوا…”.
من هنا نتساءل:هل استطاعت الذات أن تعيش لحظتها المستعارة من نماذج مختلفة؟الجواب ورد في المقطع الأخير،فبعد أن تتعثر اللغة وبعد أن تسقط الهوية أو تتهاوى الملامح،تستفيق اللغة/التراث في آخر النص لتعبر عن عدم قدرة الذات التموضع في حدود خارج لحظة الماضي مهما حاولت الانفلات،وبالتالي فوجودها في راهنها يشبه وجود ذلك الأعرابي الذي جاء المدينة محملا برموزه ولغته،فالذات هنا داخل النص قد حاولت دخول عوالم أخرى مستعارة لكنها في النهاية تعبر عن عجز تام عن الانفصال عن هذه اللغة/الهوية ويبقى من هنا الزي الأصلي مهيمنا متحديا تعدد الأزياء.

السابق
مصممة أزياء
التالي
ضياع

اترك تعليقاً

*