القصة القصيرة

قروح على مَشاعِر مُشوَّهه

استهل يومه المختلف بضرب زوجته بعنف رغم أنها كانت قد استسلمت لفورانه طوال الليل دون أن تعترض كعادتها، شيء ما مختلف فيها، قتله الشك وعبثت الظنون بكيانه، هل تخونه؟ هل بادلت شباب الحي الفقير النظرات والضحكات؟ هل تحولت إلى عاهرة؟ شيء مختلف فيها الليلة، لم تطلب منه أن يتوقف، اقتسمت معه حبة المنشط، شاركته السيجارة وهو في قمة النشوة، لم يتوقف عن ضربها حتى بعد أن سالت الدماء من شفتيها، تحول الأمر إلى لذة، امتص الدماء من على شفتيها فاستثير من جديد، ألقاها على الفراش وبدأ في تعذيبها بطريقة مختلفة، لم يشعر بها وقد غابت عن الوعي، هدأ أخيرا، مسح على شعرها المجعد وتأمل في وجهها المرهق الممتلئ، مر ببصره على جسدها العاري غير المتناسق، قارن بينها وبين النجمات المتألقات في الأفلام المنحرفة التي أدمنها، نفث دخان سيجارته على جسدها وقام ليستعد للعمل، أخذ حماما سريعا فلحقته وجهزته وأعدت له ملابسه البسيطة، طلب منها أن تتوجه بالأطفال إلى بيت أسرتها لأنه لا يطيق رؤيتها، نظرت له طويلا ثم أومأت برأسها ودمعة حارقة على طرف عينها، لم يلحظها لأنه تعود ألا يهتم بتفاصيلها منذ فترة طويلة.
نزل إلى عمله الفني الحكومي مفتقدا لشيئ ما. دخل في وصلة مزاح طويلة مع أقرانه وحكى كل منهم مغامراته مع زوجته في الليلة السابقة، كان أكثرهم صراحة وفجاجة، انهالت عليه التعليقات الساخرة من دمامة زوجته وشدة نحافته، تحول المزاح إلى غضب عارم اعتراه من الداخل، هاجمهم بعنف ناعتا زوجاتهم بالعاهرات، أصابت الكلمة الجميع بالصدمة فتوقفوا عن الضحك، إلا أحدهم استمر في السخرية منه ومن قبح زوجته حتى أثاره فانقض عليه يضربه، دارت بينهما معركة صغيرة حسمها الآخر بجسده الضخم سريعا وألقاه أرضا، تدخل الباقون بعد انتهاء المعركة، نزلت الدماء من شفتيه فأثارته من جديد، جاءه أحدهم يمسح الدماء بطريقة زادت إثارته، تبادلا نظرات عميقة لم يفهمها من حولهما، ربت على كتفه برقة ونعومة زادت إثارته، دفع يده بعنف وخرج قبل أن يكتشف أحدهم ما يحدث له فيزيدون الضغط عليه ونشر الإشاعات حوله.
مر يومه وأفكاره لا تنتهي، ماذا تفعل زوجته الآن؟ مع من تعبث؟ هل هو البقال الذي لا يترك سيدة في الحي دون التعرض لها؟ أم تراه بائع الخبز مفتول العضلات، الإحتمال الأرجح هو ابن صاحب المنزل الجزار، شاب متلون متفاخر يحضر للمنزل دوما بحجج مختلفة وعلاقاته معروفة مع كثير من الفتيات، لكنه يفضل الجميلات؟ لا يهم، لا يمكن أن يستمر الشخص في تناول الجاتوه طوال الوقت، لكن ماذا لو كان هو حقا؟ كيف سيتعامل معه؟ والده يمتلك نصف الشارع وهو معروف بالشر والسطوة، عاد ليبتسم، ليته يكون هو، على الأقل سينعم مع أولاده باللحم طوال الوقت.
قطع تسلسل أفكاره مَن ضربه في الصباح، جاء يعتذر منه، ابتسم له واعترف بأنه أخطأ وتجاوز، صمم على دعوته لتناول مشروب منتصف اليوم، ذهب معه إلى تجمع زملاء الصباح، وجده بينهم، عادت الإثارة إلى جسده بمجرد تذكر لمسته على شفتيه، تبادلا ابتسامات صامته، فقد لاحظ إثارته هو الآخر، اقترب زميله منه يسأله عما سيفعله اليوم، أخبره أن زوجته خارج المنزل ولا جديد عنده، اقترح عليه أن يتناولا طعام الغذاء في منزله وهو من سيشتريه، ابتسم له ووافق فورا. عاد إلى العمل وهو يعد الدقائق حتى يعود لمنزله.
وقف خارج العمل ينتظر بلهفة خروج صاحبه، سأل عليه آخر الخارجين فأخبره أنه استأذن مبكرا لوفاة والدته.
ضرب الأرض بعنف وغضب وهو يلعن الموت، لم يأبه له محدثه فقد ظن أنه الحزن وغادره ليلحق بالجنازة.
أخذ نفسا عميقا وسار على غير هدى، قادته أقدامه ورغباته إلى حديقة عامة في وسط المدينة، جلس قليلا يلتقط أنفاسه، بعد قليل جلس إلى جواره شخص ما، لم يأبه له وظل عالقا في المنطقة الضبابية التي تركه فيها صاحبه، فوجئ بذلك الشخص يمد يده ويربت على ظهره بنفس الطريقة المثيرة، نظر له طويلا، أربعيني مشوه الوجه حاد الملامح، لكنه يبتسم، لم يحدثه، أخذه من يده وتوجه إلى منزله، لا يهم كيف يكون أو من، المهم أن يطفئ النار المشتعلة داخله، مر على محل البقالة فاشترى ما يكفى ويزيد، صعد السلالم المتهالكة حتى شقته وذكرياته تسابقه يدوس على ذيلها من درجة إلى أخرى، ضرب بقوة وعنف على لحظة البداية حين كان في مدرسته الإعدادية وأقام عليه بعض زملاءه حفلا تكرر كثيرا وانتهى إلى أن أصبح مثلهم، توقف فجأة ونظر إلى الصاعد خلفه، سأله كيف بدأ؟ ظهر الارتياح على وجه الآخر وهو يجيبه أنه بدأ في السجن منذ سنوات حين دخله صغيرا متهما بسرقة قطعة حلوى ووضعوه في سجن الكبار فأقاموا عليه حفلات استمرت حتى خرج وتعود عليها.
دخلا الشقة فطلب من ضيفه أن يأخذ راحته ثم دخل إلى غرفته وقد قرر الإستمتاع بكل لحظة ليستعيد ذكرياته مع أصدقائه الذين تفرقوا بين تائب ومتوف ومسافر ومكتف بصديق واحد.
أحس بالحركة خلفه بعد أن وصل إلى غرفة النوم فطلب من صاحبه أن يصبر قليلا حتى يستعد، فوجئ بشيئ كالمنشفة الرفيعة تلتف حول عنقه، لم يفهم ما يحدث، حاول المقاومة، لكن مهاجمه أحكم القبضة عليه وألقاه على وجهه على الفراش بينما ركبته على ظهره وذراعاه يشدان المنشفة بقوة وعنف، تأمل للحظات في حياته، مرت الثواني التي تحتقن فيها أنفاسه داخل صدره وتتسارع دقات قلبه مستنجدة بينما تتجمع ذرات روحه من كل مكان في جسده، مرت عليه تلك الثواني أطول من عمره كله، سار على الأشواك التي ملأت حياته منذ أصبح مختلفا يخفي في داخله عذابات وصراعات يومية لا تنتهي، دمعت عينه وهو يسير على جمر النار في علاقاته بمن حوله ليخفي سره، زوجته أول من شعر بالشيئ الغامض، لكنها لم تسأله أبدا، كما توقفت عن المقاومة حتى استسلمت، نعم، يوم استسلمت كانت نهايته.
ضاق الخناق على أنفاسه حتى تجمعت روحه عند طرف حلقه، توقف هو أيضا عن المقاومة، لاح له أمل من بعيد، سيموت مقتولا، على الأقل ستهيم روحه المعذبة في المكان وسينتظر القصاص من قاتله، هناك ضوء خافت في نهاية النفق المظلم. ابتسم أخيرا، امتزجت ابتسامته بروحه التي خرجت مترددة خائفة مرتعبة، تجسدت الخطيئة في أشباح سادوم المتراقصة على أطراف البعد الآخر، توقف الجسد المرهق عن الحركة.

السابق
من مأمنهم
التالي
الوطنُ الجديد

اترك تعليقاً

*