القصة القصيرة

قصة سارة

تحت الركام باتت البارحة،تحت الحطام كانت نائمة وكانت دميتها معهاوقصتها المفضلة …
باتت دون أن تشعر بما يدور حولها ، بعدما تركتها أمها وخرجت لتشتري شمعتين على عجل من متجر الحي تحسبا لأنقطاع الكهرباء كعادته ، وبينما هي في المتجر سمعت دويا ، فخرجت مهرولة نحو بيتها ،لتتفاجأ بهول المصيبة ، بنتها تحت الركام ، صرخت طالبة النجدة ، لكن الكل هرب من القصف المفاجئ دون وجهة معلومة ، المهم النجاة من الموت ، لكن الأم المسكينة وقفت ودموعها تنهمر على خديها ، وهي تنادي : سارة ابنتي العزيزة ، ردي علي ، …ظلت كذلك حتى يئست واستسلمت لقضاء الله ،فتوجهت الى الحديقة المجاورة مع من فروا وهلعوا من المصيبة التي سقطت عليهم كالصاعقة ، اختارت جذع شجرة كبيرة لتتكأ عليها وتنتظر بزوغ الخيوط الأولى للفجر وتتجه نحو الحطام بحثا على فلذة كبدها.
وبينما صوت المؤذن ينبعث من صومعة مسجد الحي اعلانا عن الفجر، اذا بالأم والبنت تستيقظان في نفس اللحظة اللتان تعودا عليها لكن كل في مكانه ، لأن هذه المرة شاءت الأقدار أن ينفصلا دون اشعار مسبق ، نعم استيقظت الأم وهي تردد : رب احفظ ابنتي من كل مكروه ، فأنا لأ أملك غيرها ، هي حياتي ، هي روحي ، هي هدية السماء ، بينما البنت سارة ذات الخمس سنوات تنادي أمها وهي ترتجف لأن الظلام مازال متواجدا معها وبعض حبيبات الرمل على وجهها، لكن رائحة وصوت أمها لم تعد تحس به وتسمعه ، حاولت النهوض من مكانها فأحست بأن كل شيء حولها يتحرك ،لكنها لما سمعت صوت قطنها المحبوبة أحست بالأمان ،رغم أنها لا تعرف لحد الآن ماحدث بالضبط .
مضت دقائق والحال لازال على حاله ، الأم محتارة وتريد معرفة حالة ابنتها والتأكد من سلامتها أو هلاكها، والبنت سارة تنتظر مجيئ أمها ومساعدتها على النهوض والذهاب للعب كعادتها،كانت لحظات عسيرة وصعبة ، في حين أرادت الأم أن تقترب من الحطام علّها تسمع صوت بنتها وتحاول انقاذها ، عندها حضرت فرقة الأسعافات لتقوم بعملية التنقيب والبحث على المفقودين مصحوبين بكلاب مدربة ، وعندما وصل الجميع سمعت القطة نباح الكلاب فاسرعت للخروج لكن عبر قنوات صرف المياه التي تحطمت على أخرها مما نتج عنه حدوث تشققات وانهيارات ، ولما ظهرت للعيان أسرعت الكلاب لملاحقتها ، فلحق بها رجال الأسعاف ليكتشفوا أن هناك فتحة الى الداخل لكنها ضيقة ، وفجأة هربت القطة الى الداخل لتتطمان على صديقتها الصغيرة النائمة تحت الركام ، حينها لحق بها أحد الكلاب ليتفقدها ويحاول تخليصها من الوضعية المزرية ،فقام بعض ازارها الأبيض وجذبه الى الخلف لتنزاح قليلا وتسقط على الأرض ، والقطة تحاول مساعدنها للزحف جانبا والتدحرج ببطئ ، نعم استطاع الكلب والقطة مساعدة سارة على تغيير وضعيتها وغرس الثقة والشجاعة في نفسها ، وصرخت حينها : ماما أـين أنت ؟أنا خائفة وجائعة ،ماما…ماما…فشرع الكلب بالنباح وكأنه يريد اخبار صاحبه بأنه نجح في المهمة ،وعثر على البنت ، ثم خرج مسرعا ليتوجه الى صاحبه ويرتمي في أحضانه وهو يلوح بذيله وينبح نباحا لطيفا ، حينها توجه المسعف الى الأم ليضع يده على كتفها والأبنسامة تظهر على محياه ، لاتيأسي سيدتي فرحمة الله واسعة ،حينها سقطت الأم على الأرض وأغمي عليها ، فأسرع المسعف وأمر كلبه بالعودة لأنقاذ البنت ، فنفذ في الحين أمريته فواصل في مسك الأزار بأنيابه ومخالبه وجره الى الخارج حتى أوصله الى الفتحة الضيقة حينها تدخل رجال الأسعاف لأزاحة بعض الردوم والأحجار العالقة ، واذا بصوت البنت ينبعث من الداخل :ماما …ماما ، فأمسك بها أحدهم ليساعدها على الخروج من تحت الحطام …
كانت لحظات صعبة وخطيرة لأنها تحتاج الى الكثير من اليقظة والحذر، لكن القدر شاء أن تنجو البنت رغم أنها مكثت ليلة كاملة تحت الركام دون دفئ أمها ،حينها توجهت سارة الى حضن أمها المستلقية على الأرض ـ اتضمها اليها ، ولما لمستها رجعت الحياة الى أمها من جديد ونهضت مسرعة وهي تقبل كل مكان من جسمها وتتحسّسه لتتأكد من سلامتها ، نعم عادت الحياة للأثنين بعدما فقداتاها البارحة ، ورجعت هدية السماء الى حضنها الدافئ ،وشكرت الأم الله على رحمته وعطفه بها ،…كانت البداية لحياة قاسية جمعت الأثنين بعد فقدان منزلهما وكل أغراضهما ، لكن الأيمان بالنجاح والتغلب على كل الصعاب والحرب الدامية والموت الذي يترقب كل متحرك، لم ينقص من عزيمتهما ، فكافحا الى أن صارت سارة طبيبة أطفال تشارك رجال الأسعاف في كل الخرجات ، لأنها تعلمت أن الحياة غالية ، والشعور بفقدان العزيز صعب ،هكذا هي بنت الوطن الذي التفت حولها أيادي الغدر والأستدمار،وهي تصارع وتكابد من أجل أن تستمر الحياة ،ولا يبقى للخائنين مكان بينهم.

السابق
مُثقَّف
التالي
زئبق الحب

اترك تعليقاً

*