القصة القصيرة

قصة قصيرة في السوق

الزمان : شتاء عام 1971
المكان : مدينة الثورة – وسوق الشورجة وسط بغداد

زقاق فرعي يحتضن دارنا الصغير ، يتصل بزقاق فرعي آخر، يوصل هذا الاخير الى الشارع الرئيسي الذي يؤدي الى كل طرق العالم ، كمـا كنا نظن ، فهو يوصل الى رأس التبليط ، ومنه الى الاولى ، بداية مدينة الثورة ، ومن تلك البداية تبدأ كل البدايات ، الى الباب الشرقي و باب المعظم والى النهضة مرأب الرصافة العظيم ، الذي ودع قوافلا لاتحصى من شهداء الثمانينيات ، ركبوا الحافلات الى جحيم الحرب ، ولم يعودوا ، كما ودع هذا المكان آلآف المغتربين الذين غادروه وفي قلوبهم أحلاما ذابت في جليد الغربة ، أو صهرت في صيف الوطن المنقطع التيار ..

كان علينا ان نجتاز هذين الزقاقين بقفزات قصيرة أو طويلة ، فوق خطوط متعرجة من الحجارة وعلب الصفيح الغائرة في الطين ، أتابع خطوات أمي الحائرة ، أدوس ذات الأماكن التي تمر عليها ، تغرس قدمها هنا وهناك ، ترفع نعلها اللاستيكي خوفا من غرقه الى الابد ، كما ضاع شبيهه قبل أسبوع في ذات المكان ..

لاتستطيع حملي ، ولاتركِ أسير لوحدي ، كنت ثقيلاً وهي نحيلة تجرني تارة ، وترفعني من أبطي تارة أخرى خشية أن أسقط في الوحل ..
كنت أتابع ( أبو دبيلة )* وهو يسبح في البرك الواسعة من مياه الأمطار التي أغرقت الأزقة والبيوت الفقيرة ..
بلغنا بعد عناء طويل ، الشارع العام ، وبعد أن تعفر نصف عباءة أمي وقدميها بالطين والوحل ، تعالت منبهات الصوت وأبواق السيارات لتملأ سماء المدينة الحالمة والدافئة ، كدفء قلوب قاطنيها ..

ركبنا الباص الصغير المتجه الى النهضة ، الأجرة ثلاثون فلساً ، أجلستني أمي في حضنها كي لاأُحسب راكباً يتحتم عليه دفع الأجرة ..
ركابٌ يصعدون ، وركاب ينزلون ، قدور وأواني وصينيات تفح منها رائحة القيمر والحليب ، رجلٌ يحمل قفص دجاج يتشاجر مع السائق حول دفع أجرة الحيز الذي شغله القفص ، ينزل غاضباً ، يسب السائق ويلعن الزمان الذي أستبدل عربات الحمير بالسيارة ، ظل السائق يثرثر ويشتم ، ويصفع وجه الرجل الذي غادر الباص ، في الهواء..

إستبدلنا الباص الصغير من مرأب النهضة بآخر سيتجه بنا نحو سوق الشورجة ، هبطت أمي حملتني على كتفها ، سارت بي بضع خطوات ، ثم أنزلتني لاهثة : أصبحت رجل ياأبني ، ساعدني قليلاً ، لم يعد بمقدوري حملك ، لم تعد صغيراً أليس كذلك ياحبيبي ؟؟ أومأت لها بزهو ، ثم انطلقنا نحو السوق..
المكان مكتظ بالعابرين والمتسوقين والباعة ، عربات يجرها البشر ، وأخرى يجرها الحمير ، شاهدتُ تلاً من الأكياس يحملها رجل مسن على ظهره ، لايظهر من جسده سوى القدمين وكأن الأكياس تسير على عجلات صغيرة ، عبر الطريق ببطء ، توقفت السيارات وعلا زعيق منبهاتها وصيحات سائقيها ، كنتُ وأمي نسير خلف الرجل حامل الأكياس ، أحتمينا خلفه من السيارات المسرعة ..
دخلنا السوق الذي أصبحت الأشارات هي اللغة الوحيدة المفهومة لشدة الصياح والهرج ومناداة الباعة وهم يستعرضون سلعهم المتناثرة في كل مكان ..
توقفت أمي عند بائع البهارات ، ثم محل الأواني البلاستيكية ، أشترت لي نعلاً أسفنجياً أزرق ، ولأختي أساور ملونة ..
كنت مأخوذاً بمنظرالمصابيح والألوان ، أطلُ على السلع من خلال الفتحات الصغيرة بين اقدام المارة ، أو تلك التي تحدثها حركة أيديهم وهي ترتفع وتنخفض ، أمدُّ عنقي تارة ، وأقف على رؤوس أصابعي نارة أخرى ليتسنى لي رؤية البالونات الملونة والسيارات البلاستيكية والحلويات المصبوبة على شكل أسماك وطيور..

كانت يدي الصغيرة تتعرق وهي تمسك طرف عباءة أمي ، فأفلتها بين لحظة وأخرى لأمسحها بثيابي ، ثم أعود أتشبث بالعباءة خشية الضياع في هذا الزحام الرهيب ..

سارت العباءة أمامي ، وأنا أتبعها ، ابتعدنا عن الزحام ، دلفنا زقاقاً صغيراً، بيوت متداعية ، نوافذها صماء وجدرانها قذرة ومنتفخة ، أصبح مشينا مسرعاً ، لم أعهد أمي تسير بهذه السرعة ، تغلغلنا في عمق زقاق أضيق ، لامنفذ له ، توقفنا أمام بابٍ قديمة غرقت الى نصفها في الشارع ، جذبت العباءة وصحت : ياأمي تعبت ..

إلتفتت نحوي، وصرخت بي حين أكتشفت أني كنت أتبعها ، مازال وجه تلك العجوز راسخاً في ذاكرتي ، وجه صارم مخيف ، حواجب كثيفة ، ونفشة شعر أحمر إنفلت من شيلتها ، لحية خفيفة ، سقطت على الأرض من شدة الذعر، ثم انتفضت واقفاً ، أصرخ وأصرخ ،كنت أصرخ وأنادي بلارجاء ، فالزقاق مسدود ، والأبواب موصدة ،هربت الى كل الجهات ، بدأت المساحة الممتدة أمامي تقترب وتقترب الجدران تضيق وتطبق على صدري ، تضببت عيني ، ثم إنطفأ كل ماحولي ..

حلقات ملونة تتشكل وتختفي أمام عيني ، أصوات تترجرج كأنها قادمة من قعر بئر ، أصداء لاأعرف من أين تنبعث ، وجوه غريبة تدور حولي ، أنوف كبيرة ، عباءات ، يشماغات ، قهقهات ، صرخات ، أيدي تمتد نحوي ، تلامس وجهي ، تجس نبضي ، تتحسس أنفاسي ..

مسكين يبجو أنه ضاع من أمه !!!
يتركن أولادهن وينشغلن بشراء اللباسات الداخلية وحمالات الصدر ، تفووو عليهن بنات الكلب ، يخلفن مثل الأرانب ، ولايحسُنَّ التربية ، قالها صاحب أكبر أنف في الوجوه التي تدور حولي..

لاأعرف إن كانت تلك الوجوه تدور ، أم هي الأرض ، أم أنا الذي يدور ، أم أنه لاشيء من هذا أو ذاك ؟؟!!
إنعدم الوقت ، تداخل الزمان والمكان والوجوه ، رفعني أحدهم على كتفيه بعد أن أستعدت شيء من وعيي ..
ماأسمك ياولد ؟؟
علاوي
يعني أسمك علي لو علاء ، لو شنو ؟؟
لم يفلح الرجل بمعرفة الجواب، فالشهقات والدموع خنقتني وحالت دون إنبعاث صوتي..

أين كنت أنت وأمك ، في هذه الجهة أم تلك ؟؟
يأس الرجل من سماع ردي ،..
التفت ذراعي حول عنقه ، كان ينتابني ذلك النوع من الخوف الذي يدفعك لعناق أي شخص غريب..

دخل السوق وراح يصيح بأعلى صوته : منو ضايعلة ولد ؟؟ منو ضايعلة ولد ؟؟
تبدد صوته العالي وذاب في صخب السوق ، ثم علا صوته بالنداء من جديد ، كان بكائي يزداد وذعري يكبر كلما أسمعه ينادي ، وكأنه كان ينادي على بيعي !!
مشهد السوق بدا لي أكثر رعباً وأنا أجلس على كتفيه ، راح الرجل يشق طريقه بصعوبة وسط الجموع .
حشد من الناس يتحلقون حول إمرة جلست على الأرض ، تلطم خديها وتصرخ ، تنود يميناً وشمالا ، ثم تعاود اللطم والعويل ..

إلتفت الناس نحو الرجل الذي يحملني ، حدقوا بي وبالمرأة ، ثم صاحوا:

وجدوه ياأختنا وجدوه ..
هبطتُ من على كتفي الرجل ، هرعتُ نحو أمي .. إرتميت في حضنا ..

بَكت..

بكيتُ..

بكينا ..

حملتني بمشقة على صدرها ، في عيني بقايا الدموع ، وفي يدي النعال الأسفنجي الجديد..

جيكور

* أبو دبيلة : صغار الضفادع وهي في طور نموها الذي يشبه السمك .

السابق
معـان لقيطـة
التالي
حتى إشعار آخر

اترك تعليقاً

*