القصة القصيرة

قطرة الندى

أفاقت قطرة النَّدى صباحا في حَنايا وردة جورية، اِستقبلت بابتسامة شفافة أشعة الشمس الساحرة وزقزقة العصافير العذبة، هي تعلم جيدا أن الشروق من أجلها والتغريد من أجلها وفي كل ذلك تسبيح لخالق عظيم.
لكن الأمر لم يدم طويلا حتى هَبَّت رِيح قوية جعلتها تتزلزل في مكانها إلى أن أجبرتها على النزوح قليلا، حاولت ألا تنحدر، تشبثت، لملمت بعضها قدر المستطاع وسرعان ما هدأت الريح وتنفست الصعداء، لكنها بقيت على حذر مخافة أن يتكرر الأمر معها، ومع هذا لم تسمح لابتسامتها بمغادرتها إذ بقيت تغازل خيوط الشمس من دون أن تعرض نفسها للتبخر وفي الوقت نفسه كانت مستمرة بأخذ البريق اللامع منها والذي أضفى لها اِبتسامة ساحرة نادرة الوجود.
لم يلبث الأمر أن هبت ريح أقوى اقتلعتها من مكانها كليا هي وباقي القطرات أيضا، صرخن بأعلى أصواتهن، مددن أيديهن لبعضهن عسى يمنعن سقوطهن لكن بلا جدوى، فالهزة كانت أكبر منهن، وأكبر من أن يتحملها كيانهن الضعيف…تنشد لربها الخلاص، والمنظر أمامها لما يحدث لهن أرعبها، فكك جزئياتها لكنها لم تسمح أن تتنصل عن نفسها…وقفت موقف المتفرج لما سيحصل لها بما حصل لهن…رأتهن يسقطن بلا هوادة، يتبعثرن، يتنصلن من بعضهن البعض وتذروهن الريح بعيدا، وتأتي بعضهن على الشوك فتتطاير أشلاؤهن هنا وهناك وتصلن إلى الأرض محض فتات.
صرخ بَعضُها عل بَعضِها حثته على المقاومة فليست هي من تخسر أمام أية ريح، قالت هذا والكلمات تتلعثم في حلقها والحروف تتعثر رعبا وخوفا، لكن الكلام كان يخرج منها سليما معافى فذلك سبيلها للبقاء، حاولت التماسك للاستمرار لكن جزء منها أُخذ بالقوة إلى أن وصل إلى حافة ورقة الزهرة ورعب المنظر بالأسفل جعله يعود أدراجه مسرعا فلم تمنعه عن العودة أية قوة، لملمت شملها، لكن الريح أبت إلا أن تفرقها ذات المشرق وذات المغرب وكان لها ذلك، إلا أن القطرة لم تستسلم وراحت تلملم بعضها الجزء تلو الآخر، لم تجعل مجالا للألم ولا الندم كي ينخر فيها.
تناثرت عليها بعض ذرات الغبار لكنها لم تسمح باحتوائها، لم تسمح ولو بخدشها، اعتمدت لعبة المراوغة مع الغبار، ولعبة الشطرنج مع الريح…وضعت هذه الأخيرة أوزارها؛ انسحبت.

السابق
حَافَّة
التالي
مقبرة العبيد

اترك تعليقاً

*