القصة القصيرة

قطط وكلاب

رأيته ورآني بكُلِّ تأكيد فى البُرْهَة القصيرة التى توقفت فيها سيارتي؛ تَعَامَى وأَشاحَ عَنْى وَجْهَهُ؛ رَثَّ الهَيْئَةِ يسير الهُوَيْنَى على شاطىء النهر الذى تُظلّلَهُ أبراج الحاج سلمان الشاهقة؛ تَدَلَّتْ من يديه عدةَ أكياسٍ سوداءٍ جمع فيها ما انتَقَاه من فَضَلات وبقايا الْطَّعَام من أكْوَام القُمَامَة؛ يسير فى زَّفَّة من أسْراب القطط تتقافز حوله؛ نظرت إليه أشيّعَهُ ببصرى؛ كان نَجِيباً؛ حاضرَ البَديهة؛ يجلس وحيداً فى آخر الفصل بملابسه الرثة التى لاتتغير أو تتبدل مُلبّد الشعر كالح الوجه؛ تتظاهر على رقبته بُقَعُ التينيا ؛ يُثير حَنَق المدرسين لسُرعة فهمه وإدراكه وأسئلته العسيرة المُستفزّة؛ ينفر منه ويأنف الجميع من الجلوس بِقُرْبِه؛ على النقيض منه ولا يسلم من مشاكسته واِحتِقاره؛ سُليمان؛ ثراءٌ فاحش؛ يُقال بأن أبيه سلمان عثر على كنزٍ من كنوز الفراعنة؛ يرتدى أفخر الثياب زاهية عَطِرة يبدلها ويغيرها يومياً؛ مُصَفَّفُ الشَّعْرِ؛ يحتفل به الجميعُ ويحفل بما يحبوهم به من قطع الشيكولاته الفاخرة وقطع النقد وغير ذلك …؛ وإن كان بليداً ثقيلَ الفهم؛ غليظَ الذهن؛ قاسى القلب؛ داس يوماً على رأسِ قطّة صغيرة وليدة دخلت الفصل فى ساعة نحسها تتخبط فى سيرها؛ لاتقوى أرجلُها النحيلة على حمل جسدها الهزيل؛ تبصبص بذيلها الرفيع؛ طقطقت جمجمتها وهى تتهشم تحت قدم؛ هلّل الأطفال وزاطوا إلاّ هو؛ عزّت؛ أمسك سُليمان بذيل القطّة يرفعها عالياً يحرّكها كالبَنْدُول؛ ينظر بتحدٍ لعزّت قائلاً: من يأكل القطة له هذه الورقة؛ ولوح بيده الأخرى بورقة مالية كبيرة؛ وقف عزّت يمشى نحوه؛ ساد قاعة الفصل الصمت؛ تقدم عزّت؛ أمسك بالقطّة؛ أحاطها بكفّيه برفق وحُنوّ؛ عاد بها إلى درجهة ليضعها بين دَفَاتِره فى كِيسه القماشي المُهترىء تلاحقه ضحكات سليمان العابثة: حصلت على غدائك مَجَّاناً يادَبْشَة؛ قفز عزّت نحوه أمسك بتلابيبه يوقعه أرضاً؛ يركُله برجليه ؛ تصايح الصبيان؛ لم تزل قدمه تدهس رأس سليمان بينما انهالت الضربات الموجعة بعصا خَيْزُران غليظة على رأسه وكتفيه وعَجُزه دون أن يحيد عن مكانه؛ ثابتاً لا يتألم أو يتأوه…..أفقت على الأصوات العالية لأبواق السيارات تستحث السير فى الطابور الطويل الزاحف؛ لم نقطع مسافة كبيرة ووقفت السيارات مرة أخرى ….. أجدنى بإزاءه؛ يجلس على مقعد حجرى تحت شجرة بونسيانا مُوَرَّدة يبتسم فى نشوة ويصيح بفرح طفولى وهو يوزع الطعام على القطط التى سكنت تلتهم طعامها فى هدوء؛ لايزعجها هَوَس الأبواق الصارخة التى تصاعدت مرة أخرى؛ ضغطت بدورى على بوقَ سيارتى ومضينا فى الزَفَّة الحافلة بموكب الفرح بانتخاب سليمان نائباً للدائرة.

السابق
الوهج 
التالي
غريق

اترك تعليقاً

*