مقالات

كشف الغَمْضة في تأصيل القصة الومضة

للوصول إلى الهدف المنشود من هذه المقالة المقتضبة، وهو كشف الغموض، والالتباس، في أمر القصة الومضة، ومن رائدها؟ ومن مبتكرها؟ ومن هو أول من وضع اسمها، و مقوماتها؟؟، سوف أتناول هذا الأمر كله من أوجه ثلاثة أراها هي الفيصل والمراد في تحديد هوية وتأصيل هذا الجنس الأدبي والذي أصبح قبلة الكُتّاب والقراء في آنٍ واحد وهذه الأوجه الثلاثة هي :-

1- الاسم
2- الشكل النصي والسردي والبنائي
3- المقومات

أولا: الاسم
إن الاسم الذي يُطلق اليوم على النصوص السردية، والقصصية،والتي تكون عدد كلماتها ما بين الكلمتين والثماني كلمات، وقد يتجاوز هذا العدد فيصل أحيانًا إلى تسع أو عشر كلمات على الأكثر هو اسم (القصة الومضة). فكيف لزم هذا الاسم هذه النصوص، ومن أين أتى؟، وكيف أتى؟..
هذا ما سوف نوضحه ونتناوله في الأسطر القليلة القادمة.

معنى كلمة ومضة:
– ومَضَ يَمِض، مِضْ، وَمْضًا ووَمَضَانًا ووميضًا، فهو وامِض وأنار.
ومَض البرقُ: لمع لمعانًا خفيفًا وظهر

– وَميض: مصدر ومَضَ
ضوء ضئيل يسطع فجأة في بعض البلّورات عند تعرُّضها للإشعاع أو الجُسيمات المشعَّة

– وَمْضَة
جمع وَمَضات و وَمْضات
وَمْضة النُّبوغ: التماعته، ظهوره المفاجئ والعابر، بريق من الضَّوء.
وعلى ما تقدم ندرك أنّ الومضة هي بريق من الضوء الخاطف والعابر.

لم يكن هذا الاسم هو ما يُطلق على القصة الومضة التي نعرفها حاليًا بل كان يُطلق مع بعض المسميات الأخرى على القصة القصيرة جدًا(ق ق ج).

يقول الناقد الأدبي المصري الدكتور (حسين حمودة):
«خلال العقود الثلاثة الماضية، تصاعدت أشكال قصصية مثلت اختبارًا لحدود النوع القصصي القصير، وذهبت في ذلك مذاهب شتى، تمثلت خلالها القصة القصيرة لغة الشعر وأدواته، أو استلهمت روح (الأمثولة)، أو اللوحة القصصية.. إلخ، وتمّ طرح نتاج قصصي جديد، فرض نفسه فانتبه إليه النقاد، وبدأوا يبحثون عن تسميات مناسبة له، وعن سمات أساسية في تكوينه، وخوض هذه الأشكال القصصية الجديدة قد بدأ في الأدبين العربي والغربي في فترات شبه متقاربة، يردها أغلب الباحثين إلى العقود القليلة الأخيرة الماضية، وانتشر في العقود الثلاثة الماضية شكل (القصة القصيرة جدا)، انتشارًا ملحوظا في عدد من البلدان العربية، وكان قد انتشر انتشارًا واسعًا في الأدب المكتوب بالإنجليزية قبل ذلك بوقت قصير».
ويلفت إلى أن «القصة الومضة» flash fiction، أو «القصة المفاجئة» sudden fiction، أو «القصة المصغرة» micro – story، أو «القصة البريدية» postcard fiction، أو «القصة القصيرة جدا» short short story، بدأ التأسيس لها، اصطلاحيا، في الأدب الغربي، ابتداء من أوائل العقد الأخير من القرن العشرين»..

ويقول الناقد المغربي الدكتور (جميل حمداوي) متحدثا عن القصة القصيرة جدًا:

أطلق الدارسون على هذا الجنس الأدبي الجديد عدة مصطلحات وتسميات لتطويق هذا المنتوج الأدبي تنظيرًا وكتابة و الإحاطة بهذا المولود الجديد من كل جوانبه الفنية، والدلالية، ومن بين هذه التسميات: القصة القصيرة جدًا، ولوحات قصصية، وومضات قصصية، ومقطوعات قصيرة، وبورتريهات، وقصص، وقصص متناهية الصغر، ومقاطع قصصية، ومشاهد قصصية..

ويقول الناقد العراقي (داود سلمان الشويلي) متحدثا عن القصة القصيرة جدًا:

أفرزت لنا الذائقة الإبداعية في فن السرد في النصف الثاني من القرن الماضي فن سردي تعددت الأسماء عنه فكانت مثل: القصة الجديدة، القصة الحديثة، القصة اللحظة، القصة البرقية، القصة الذرية، القصة الومضة، الأقصوصة القصيرة، اللوحة القصصية، مقطوعات قصيرة، بورتريهات، مقاطع قصصية، القصة الكبسولة, القصة المكثفة, مشاهد قصصية، فقرات قصصية، ملامح قصصية، إلى أن استقرت التسمية على القصة القصيرة جدًا…

وتقول القاصة والكاتبة الإماراتية (مريم جمعة فرج)، مشيرة إلى القصة القصيرة جدًا:
«بداياتها بعد الحرب العالمية الأولى في العشرينيات مع بداية الثورة الصناعية وتطور الحياة، حيث لم يعد الإنسان لديه الوقت الكافي لمطالعة رواية أو قصة قصيرة.

وأضافت: وُلد هذا الجنس الأدبي على يد (أرنست هيمنجواي)، عام 1922.
وتابعت فرج: هي خليط بين الإبداع الصحفي والإبداع الأدبي، واستعرضت بعض الأسماء التي كان لها السبق في كتابة القصة القصيرة جداً، مثل (كافكا)، (وريموند كارفر)، (مارغريت آتوود). وأشارت إلى أن القصة القصيرة جدًا لها جوانب مختلفة عن القصة القصيرة، أو الرواية في حجمها، فهي تتألف من عدد بسيط من الكلمات، وصيغتها مكثفة، وليست فيها تفاصيل كثيرة، وفيها نوع من الإدهاش، وهي تشبه الكاريكاتير، تحتوي على السخرية والمفارقة.
وأضافت: على الرغم من تعدد التسميات لهذا الجنس الأدبي الجديد، مثل «الومضة – اللقطة- المكثفة – الخاطرة فإن تسميتها ما زالت تتخذ أشكالاً وأسماء متباينة بين كاتب وآخر»….

وعلى ما تقدم ندرك جليا وبما لا يدع مجالا للشك أن لفظ وتسمية (القصة الومضة) لم يكن وليد اليوم، أو الأمس القريب، بل هو منذ أكثر من نصف قرن، وقد اقترن هذا الاسم بالقصة القصيرة جدًا، وليس بالقصة الومضة، مما يؤكد لي ولأي باحث في هذا الشأن أن اسم القصة الومضة نشأ مع النصوص القصيرة جدًا، وذلك كمحاولة من الباحثين، والدارسين، والنقاد لوضع تسمية للقصة القصيرة جدًا، وذلك لتمييزها عن القصة القصيرة والرواية…

وعليه ندرك أن اسم (القصة الومضة) لم يكن لأحد الفضل في هذا الاسم، بل هو أتى مصاحبًا لكل النصوص القصيرة، وبالتحديد جاء مع ظهور نصوص ما نطلق عليها حاليًا (القصة القصيرة جدًا)،
وحينما ترسخ اسم القصة القصيرة جدًا ومع ظهور الشبكة العنكبوتية، وحاجة المتلقي للنصوص القصيرة بصفة عامة، اتخذت النصوص القصيرة جدًا شكلا أكثر صغرًا، وأقل في عدد مفردات النص، فما كان لكُتاب هذه النصوص الجديدة إلا أن يطلقوا عليها لفظ (الومضة) وخاصة بعدما استقر الحال للقصة القصيرة جدًا وأصبح اسمها المتعارف عليه والمتفق عليه من النقاد والدارسين هو هذا الاسم (القصة القصيرة جدًا)، ومن هنا حملت تلقائيًا النصوص الأكثر صغرًا اسم (القصة الومضة)، حيث كان هذا الاسم معروفًا من قبل وكان يُطلق على نصوص القصة القصيرة جدًا…

ثانيا: الشكل النصي والسردي والبنائي
لو تتبعنا النصوص القصيرة أو ما كان يُطلق عليها في الماضي (النصوص المتناهية الصغر) سوف يذهب بنا هذا التتبع إلى عام 1947 ميلادية حينما كتب الروائي الأمريكي العالمي (إرنست همنجواي) قصة من ست كلمات فقط :
“For sale: baby shoes, never worn” .
(للبيع : حذاء طفل ، لَمْ يُلْبَسْ قَطّ.)
ولم يقصد (همنجواي) من قصته ـ الومضة ـ بيع حذاء طفل بمعنى أصح ، ولكنه ترك للقُراء تفسير هذه القصة التي تحمل معاني كثيرة.
ما دلالة وجود الحذاء ما دام الطفل لازال رضيعًا؟ إنه سؤال مفتوح الاحتمالات، كأن يكون الكاتب قد نظر إلى مصير الطفل الرضيع والحذاء هنا دلالة على ما يوفره المستقبل لهذا الطفل من سلامة وحماية هو لا يحتاجها الآن بقدر ما يحتاج إلى حنان أمه ورعايتها.. ولكنهُ سيحتاج حتما لهذا الحذاء في المستقبل.. وبما أن المستقبل مجهول فإن هذا الحذاء من وجهة نظر الكاتب أنه معروض للبيع!، ست كلمات جديرة بالتأمل والإمعان والتفكير في غزارة المعنى المقصود.

و في عام 1959 ميلادية حينما صدرت المجموعة القصصية [الأعمال الكاملة (وقصص أخرى) ] للكاتب الغواتيمالي (أوغوستو مونتروسو) وجاء من ضمن نصوصه في هذا الكتاب نص (الديناصور)..

”الديناصور”
(حين استيقظ، كان الديناصور ما يزال هناك.) / ص 94
(When he woke up, the dinosaur was still there)

فلو نظرنا إلى نص (الديناصور) سوف نجد فيه كل ملامح القصة الومضة بدايةً من العنوان وحتى نقطة نهاية النص

يقول الناقد والكاتب الكوبي من أصل إيطالي (إيتالّو كالفينو) عن صاحب هذا النص : [تعتبر القصص المتناهية الصغر التي أبدعها (مونتيرّوسو) من دون منازع من أجمل القصص في العالم، لقد كان هذا الكاتب بحقّ ظاهرة فريدة لا تتكرّر في عالم الآداب المكتوبة باللغة الإسبانية، كان بارعًا في الإيجاز البليغ، ومجيدًا في الاختصار البارع.]

أما الكاتبة الإسبانية المعاصرة (آنّا ماريا ماتّوتي)، الحاصلة على جائزة سيرفانتيس، (أعلى تكريم في الآداب الناطقة باللغة الإسبانية) تقول عنه: [ كان (مونتيرّوسو) شخصية أدبية فريدة في بابها، كان شخصًا استثنائيًا في عالم الإبداع الأدبي، كانت قصصه القصيرة مبطّنة في معظمها بالسّخرية والتهكمّ اللاّذعين، وكانت كلماته، وتعابيره، وأسلوب كتاباته في قصصه تبدو للقارئ وكأنّها شِعر منظوم، فلا زيادة فيه ولا نقصان، بل كانت كلمات قصصه منحوتة كمرمر موضون، ولا حشو يعلوها ولا إطناب، إنه كان يقول الكثير باستعمال القليل الموجز من الكلمات]..

ألا تلاحظون معي أن كل ما قاله الكاتب الإيطالي (إيتالّو كالفينو) والكاتبة الإسبانية (آنّا ماريا ماتّوتي) عن الأعمال المتناهية الصغر للكاتب الغواتيمالي (أوغوستو مونتروسو) هو بالضبط ما نقوله وما نشترطه الآن في القصة الومضة؟..

ثالثا: المقومات
فلو نظرنا إلى نص (الديناصور) سوف نجد فيه ملامح نصوص القصة الومضة الحالية مع تغيير طفيف في النصوص الحالية وذلك لما مرت به من تطور وإبداع..
فجملة السبب سوف نراها في جملة (حين استيقظ،) وجملة النتيجة سوف نراها في جملة ( كان الديناصور ما يزال هناك.) وبين الجملتين سوف نرى الفاصلة وفي نهاية النص سوف نجد نقطة نهاية النص، وسوف نجد في النص كل مقومات القصة الومضة من تكثيف ومفارقة وإيحاء ونهاية مباغتة ومدهشة

وكذلك الحال لو نظرنا إلى نص(إرنست همنجواي) والمكون من ست كلمات
“For sale: baby shoes, never worn”.
(للبيع : حذاء طفل ، لَمْ يُلْبَسْ قَطّ.)..

وكذلك لو نظرنا إلى النصين سوف نجدهما يقومان على الاختزال والتكثيف و وضع المعاني الواسعة والكبيرة في ثوبٍ ضيقٍ من المفردات المعدودة التي لا تتجاوز العشر كلمات، كما أن التجانس والترابط بين العنوان وشطري النص، وكذلك بين شطري النص ذاتهما، يرسم أمام أعيننا شكل وبناء القصة الومضة الحالية. وكذلك المفارقة التي نراها واضحة في النصين والتي هي من أهم مقومات القصة الومضة الحالية..

ولو تحدثنا عن مقومات القصة الومضة (التكثيف، الإيحاء، المفارقة، النهاية المدهشة والمباغتة) سوف نجد أن هذه المقومات هي نفسها مقومات القصة القصيرة جدًا، أي أنه لم يكن لأحدٍ فضل يُذكر في وضع هذه المقومات فهي موجودة بالفعل، وحيث أن القصة الومضة – وكما أقولها دائما- هي البنت الشرعية للقصة القصيرة جدًا، فقد أخذت البنت – القصة الومضة- مقومات أمها – القصة القصيرة جدًا- فصارت مقومات القصة الومضة هي نفسها مقومات القصة القصيرة جدًا..

وفي النهاية لا بدَّ لنا أن نعترف أن أول من ابتكر و كتب النصوص المتناهية الصغر وهي ما نطلق عليها حاليًا تسمية (القصة الومضة) هما الكاتب الأمريكي (إرنست همنجواي) والكاتب الغواتيمالي (أوغوستو مونتروسو )..

ولكن هناك من الكُتاب والقاصين الحاليين من طوروا هذا الفن الأدبي الرائع حتى أصبح على هيئته التي نراها حاليًا وكان هذا التطوير عن طريق مقالاتهم ومسابقاتهم وشروحهم وتفسيراتهم واجتهاداتهم، ونقدهم، ومنهم على سبيل الذكر وليس الحصر.

القاص الأردني (هاني أبو انعيم)
الناقد المغربي (محمد رمصيص)
الأديب المصري (مجدي شلبي)
القاص والناقد المصري (حسن الفياض)
القاص والناقد الأردني (أيمن دراوشة)
القاص المصري (طارق عثمان)
القاصة المصرية (د. سماح عبدالحليم)
الناقد والقاص المصري (سيد عفيفي)
الناقد والقاص المصري (حاتم عبدالهادي)
الناقد والقاص المصري (جمال الجزيري)
القاص والناقد العراقي (فارس عودة)
القاص الجزائري (غريبي بوعلام)
القاص والكاتب العراقي (سيد محمد سيد كرم)
والكثيرون غيرهم.

السابق
مُراوغة
التالي
نشاز

تعليق واحد

أضف تعليقا ←

  1. الشربينى الاقصرى قال:

    وكما أنه هناك القصة الومضة، فلن أبالغ حين أقول أنه يوجد هناك المقال الومضة او الدراسة النقدية الومضة التى تميزت بها دراستك (الومضة) عن القصة الومضة ايها (الحسن الفياض). شكرا شكرا لقد افدت الدارس والكاتب والناقد بومضتك (الأدبية).

اترك تعليقاً

*