القصة القصيرة

كلاب الصيد

– أنا؟
قلتها مذهولًا وأنا أتحاشى الاصطدام به في اللحظة الأخيرة!
لا أدري من أين انبعث هذا المارد الأبيض أمامي فجأة، هل نبت من الأرض أم هبط من السماء؟ الأقرب إلى العقل أنني لم أره وهو ينسلَّ بخفة القرود من بين السيارات المتراصة، ليقطع عليَّ الطريق، ويقف أمامي كالسد المنيع، قائلًا بصوت جهوري مؤثر:
– (ربنا بعثني لك أبشرك بفرج قريب)!!
في طريقي للعمل أمشي حاملًا همَّ الدنيا على كتفيّ، أيام قلائل ويتم تسريحي من الشركة، التي قضيت بها أكثر من عشرين ربيعًا، ما ظننت أن أذوق يومًا من الكأس التي طالما أذقتها غيري، فأنا المدير الإداري المنوط به التعيين وإنهاء الخدمة، كنت كمن خرج في نزهة جميلة ذات صباح مشرق فلما قارب النهار على الانصرام، اكفهر الجوُّ وتلبدت الغيوم وعوت الضواري، ولا مهرب له ولا مأوى، بعد أن أضاع الطريق وتوغل في البرية.
العملاق الغريب في منتصف العقد الخامس، بائن الطول متين البنيان، له وجه مستدير أبيض مشرب بحمرة، ذو جبهة عريضة وعينان واسعتان ونظرات نافذة، في لباس سابغ ناصع البياض، مدَّ كفه النحيلة ذات الأصابع الطويلة، فاضطررت للسلام عليه، ولم أستطع بعدها إفلات يدي من يده، تذكرت لحظتها قصة الكهل المُقعَد، الذي استعطف سندباد أن يحمله إلى كوخه، فلما استوى على ظهره وتمكن منه، رفض النزول واستعبده فترة من الزمن.
نظر في باطن كفي ثم استرسل:
– المريض سيُشفى والمسافر سيعود، والمال سيزيد، وكرب شديد في طريقه للزوال…
أرِحْ رأسك المُنهَك وسلِّم الأمر لله، يطمئن قلبك ويهدأ بالك.
– ونِعم بالله ولكن…
– دع عنك وساوس الشيطان فلن أطلب منك مالًا، إن أجري إلا على الله!
– إذن ماذا تريد مني؟
– أحمل إليك بشرى، لأُدخل السرور على قلب مسلم!
– وكيف عرفت أنني مسلم، وما سألتني عن اسمي ولا ديانتي؟ ولا تقلْ لي سيماهم في وجوههم!
ابتسم الرجل ورفع سبَّابته للسماء:
– سبحانه يعلِّم من يشاء من عباده ما يشاء، وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا!
– ولماذا أنا؟
هزَّ رأسه وقال:
– لا تسألوا عن أشياء إنْ تُبدَ لكم تسؤكم!
ثم أردف في جِد:
– أعطني ورقة مالية من كسبك الحلال أقرأ لك عليها، وضعها بين أموالك، وسوف ترى عجبًا بعد ثلاث!
ناولته جنيهًا ورقيًّا لأتخلص منه، لكنه نظر إليَّ معاتِبًا وطلب ورقة مالية كبيرة!
نظرت إليه مستنكرًا فاستدرك:
– قلت لك لا تخف، ستسترد مالك بعد أن أقرأ لك عليه!
كالمسحور أمدُّ يدي إلى جيبي وأناوله ورقة مالية كبيرة، لكنها لا تصل إلى يده! يلتقطها زميل لي أبصرنا واقفين، فهرع إليّ قائلًا:
– ولماذا ورقة مالية كبيرة؟ أليست العبرة بالقراءة؟
ما إن وقعت عينا الغريب على صاحبي، حتى غاض الدم من وجهه وعلته صفرة، وألجم كأنما أصابه الخرس!
بينما استطرد الزميل:
– أمامك خمس دقائق لو رأيت وجهك بعدها سأطلب لك الشرطة!
عاد إليَّ صوابي بعد انصراف الرجل، سرت بجوار صاحبي وأنا أكاد أذوب خجلًا… أين كان علمي وعقلي؟ لماذا وقع اختياره عليَّ من بين كل من يعج بهم الطريق؟ هل للضحية رائحة يميزها النصاب كما يشم كلب الصيد طريدته؟
كأنما فطن صاحبي إلى حديث النفس الذي غرقت فيه فقال يواسيني:
– لا تحزن فهذا النصاب طواف لا يظهر في البقعة نفسها مرتين!
– وكيف عرفت ذلك؟
– صادفته في المصيف منذ شهور وأعطيته مئة دولار!
– وماذا فعل؟
– قرأ عليها ثم أعطانيها!
– وكيف عرفت أنه نصاب؟
– لأنه أبدلها بأخرى مزيفة!
– وخسرت المئة دولار؟
– لا، كانت هي الأخرى مزورة! جاءت ضمن تحصيلات أحد العملاء وطلب مني إعدامها! .

السابق
انتحال بذلة
التالي
تحررٌ

اترك تعليقاً

*