القصة القصيرة

كونشرتو البيانو رقم 1

هل كان تشايكوفسكي يعلم او يقدر ذلك؟ هل يدرك أن هذا الرجل الستيني أنقذه كونشرتو البيانو رقم 1؟ ليت روبنشتاين عرف ذلك قبل أن يقول لبيتر ارمي مؤلفك هذا في سلة النفايات.
حين سمعته لأول مرة ضمن شريط صوتي يضم مجموعة من روائع الموسيقى.. كان سببا في أن أساوم أحد الموظفين المسيحيين في دائرتي لأشتري منه في نهاية كل شهر واحدا من مقتنياته الموسيقية.. وحين يرفض أدفع له أجر استئجار لأنسخه وأعيد الأصل إليه..
– ألا تمل من هذا الطنين؟.. دائما تكررها زوجتي .. ولا تعلم أن الطنين هو صوتها..
فتشت تلك البضاعات_ الغنائم التي دخلت العراق بعد اجتياح الكويت.. لم أجد شريطا واحدا.. تسائلت “هل أن هذا الشعب لايسمع هذه الروائع أم أن تجار الغزو لا يعيرون أهمية لهذا الطنين..”
واضطررت للحصول على بعضها من تحويل الأسطوانات إلى أشرطة.. لكني فقدت كل هذا الطنين حين جعنا بسبب ذلك الغزو.. بعتها لها ومثلي لم يساومني كثيرا.. إلا أني لم أفرط بهذا الكونشرتو
لم أكن أتصور أن امرأة في بقعة بعيدة على هذه الأرض تصادقني عبر صفحات التواصل لتعزف لي هذه القطعة المذهلة.. بعد أن هاجمني الشعور بالغربة واقتربت من حافة الكآبة حين اكتمل المنزل الكبير الذي كان حلما يراودني منذ عشر سنين.. شعرت بالراحة.. الآن أصبح لكل واحد من الأولاد جناحا يضم غرفة واسعة وحماما مستقلا ملحقا بها.. سيكونوا معي في نفس المنزل ولن يغادروني. سيتزوجون وينجبون في هذا البيت.. لديهم في كل غرفة دولاب وتلفاز وسرير النوم.. ووسائل التكييف الأخرى.. لقد غادرنا تلك الأيام العصيبة في ذلك البيت الضيق الذي اضطررنا فيه للنوم معا.. سأتمكن من استقبال الأصدقاء والاستماع إلى الموسيقى متى شئت ولتنال أم الأولاد قسطا من الهدوء لعلها تشفى من عللها وتبتعد عن طنيني الأيام اثبتت لي عكس ما كنت أتصور.. أو أتامل.. لم يكن الأولاد معي.. أخرج مبكرا لدائرتي واعود لأجد كل منهم حمل غداءه معه إلى غرفته واختلى بنفسه.. لا أحد يسمعني الموسيقى وحدها كانت تسمعني.. تشايكوفسكي كان معي.. حين أنادي علية.. اضطر أحيانا لاستخدام الهاتف النقال حين أحتاج أحدهم.. جربت مرة أو مرتين الصعود إلى غرفهم.. لأجد كل واحد منهم قد اعتزل في غرفته وانشغل بجهازه الذكي أو التلفاز ويستقبلني بارتباك ويجيب عن أسئلتي باقتضاب من أجل أن يعود إلى عزلته.. تحول البيت إلى جزيرة ممتدة الأطراف.. بدأت أشعر بالغربة.. طالت أوقات اتصالي بولدي المهاجر حتى شعرت أني قد شغلته كثيرا.. أحسست ببرودة هذ البيت.. وافتقدت دفء بيتنا القديم.. اشتقت إلى تناول طعامنا في المطبخ الصغير وتنافس الأولاد على طبق الفاكهة.. اشتقت إلى تحلقهم على جهاز التلفاز الوحيد واختلافهم على مشاهدة القنوات.. شاقني ضجيجهم الصباحي وكل منهم يفتش عن ملابسه وتسابقهم في الدخول إلى الحمام الوحيد.. تمنيت أن يستقبلوني مثلما كانوا يفعلون بشكواهم على بعضهم البعض منتظرين مني أن أنزل قصاصا عادلا بالمقصر منهم.. لم أشعر بلذة الكونشرتو رقم واحد.. كنت ألجأ للتحدث إلى ولدي الكبير عبر الانترنيت كان أقرب منهم لي… بدأت أضجر من جدران هذا البيت ..لجأت إلى المقاهي.. للأصدقاء.. للقراءة.. للموسيقى.. إلا أن الشعور بالغربة لم يفارقني أصبح لكل منهم جهازا (غبيا) يحدق فيه وحده.. كشف لي هذا البيت أمرا لم أحسب له حسابا..
_انا (ريتا زاهر) مهاجرة لبنانية في هنكاريا شكرا لتقييمك عزفي كونشرتو تشايكوفسكي في مجموعة (عشاق الموسيقى).. فرقتنا لم تزل صغيرة.. وقدمنا فقط الحركة الأولى من الكونشرتو لكن تقييمك كان موسيقيا بحق.. لم أسمعه سابقا من المجموعة.. هل أنت ناقد؟
– لا أنا هاو .. أكملت سنتين في معهد الفنون الجميلة ثم غادرت المعهد لظروف خاصة.. لكني أقرأ كثيرا وأتابع بشغف.
ــ أنا سعيدة بمعرفتك.. أنا أعشق تشايكوفسكي بجنون..
كل مساء أرحل إلى هنكاريا.. إلى ريتا.. وأنا مضطجع على إحدى أرائك غرفة الضيوف.. استمع لعزفها.. وجهازي الذكي مشدود ليدي متصلا على الدوام بالشاحن.. كنت أجيب أولادي باقتضاب.. واتناول عشائي مع ريتا.. شيء واحد كنت أخشاه.. أن لاتسألني عن حياتي الشخصية لأن العزف سيصبح ناشزا.. وتغدو الموسيقى طنينا..

السابق
لِصٌ
التالي
رؤى

اترك تعليقاً

*