القصة القصيرة

كويدرة والمتمردون

أتلمس جدار ذاكرتي، أجده اضمحلت نتوءات ، امحت تماما : جدار أملس ، رخو ، مترهل ، تتشظى عليه أحداث الماضي ، ثم تنزلق ، لا تعلق به ولو ذرة من حكاية ، أنسى كل شيء ، نتوءة واحدة منحوتة ، يستحيل أن تتلاشى :
كويدرة : شبح ضبابي، يغازل شرنقة مخي ، يخترقني ، و يعبر متاهات نسياني ولكأني به مني قاب قوسين أو أدنى ، أكاد ألمسه : هو بلحمه وشحمه ، أكاد أشم أنفاسه مفعمة بروائح الجانكا :
سحنة سمراء، بلون حبيبات قمح قديمة ، قامة قصيرة ، تلتصق بالأرض، بطن منتفخة مكورة ، ركبتان معقوفتان تصطكان ، تخاله يتدحرج ولا يمشي كباقي خلق الله !
يعشق هذيان الهروب من واقع جريح ،أغبر : دنيا عوجة ، تعانق السراق بالأحضان ، وتركل الشرفاء على المؤخرات !
أتذكره يوما ،يضع أصابعه العريضة في عيوننا ، يتف، و يقهقه ساخرا ، يكاد يستلقي على قفاه ، وبشيطنته المعهودة :
– وجوهكم يا سلالة إبليس ، متشققة صفراء ، يا وجوه النحس ، تنبت عيونا ماكرة ، وقحة لا تخجل ، تشي بشيء من حقرة وتهميش استوطنكم من الرأس إلى الكاحل ، كلكم صفر ضعفاء جبناء !
كنا مرتعا خصبا لسخريته ودعاباته الشيطانية !
كويدرة : مدمن كحول ، كحوله خالص ،لا ينقص عن تسعين درجة ولا يزيد عنها ، يكره الخمور الشقراء ، و يشمئز من السجائر الشقراء :
الويسكي خمر لصوص ، فيه ملوحة من دم الحرافيش ، فيه رائحة من جيوب المغبونين ،تشربه بطون عفنة متخمة بعجين البسطاء ، يردد دائما بفخرقول أبي العلاء المعري :
-يجرون الديول على المخازي ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠وقد ملئت من الغش الجيوب!
أما هو فهذا الكحول الرخيص، ينبت له جناحين ، يوقظ في رأسه أعشاش شياطين الحكمة ، وعلى بساط رغوته البيضاء :
يحزم الصاري بحبال مفتولة من الجنون ، يرفع الشراع ،يهدهد المجذاف ، و يبحر في مركبه ، إلى جزر بعيدة ، لا بشر، لا شجر ، لا حجر ، فيها ،قرمزية النوارس ، مخملية الشطآن، تتكسر على صخورها أمواج عاتية ، من خمر لذيذ ، فاقع الحمرة ،لاصفرة ولا رائحة [ ويسكي] فيه، خمر خال من كل شوائب اللصوصية، يستطيبه و ينتشي بفقره ويستلذذ ملوحة عوزه :
– يعزف أنغام الحرية في الهواء !
-ويرقص على هدوء صفحة الماء !
-شطحات مجنون تدغدغ الخواء !
ضبط كويدرة يوما من أيام العربدة ،يشرب الكحول، ويدخن الحشيش في بحيرة باريس الصغيرة ، كان في حالة تلبس ، أحيل ملفه على قسم الأخلاق العامة ،فقدم للمحاكمة في حالة اعتقال ،تهمته رخيصة : تناول “كحول غير صالح للشرب” ، يسأله القاضي :
– إسمك ٠٠٠ سنك ٠٠٠مهنتك ؟
في خفر العروس ، يلصق عينيه بالأرض ، يتجاهل السؤال ، يصرخ القاضي في وجهه بغضب بين :
-يا رجل ألم تسمع سؤالي ؟ أم أنك تتعمد عرقلة مسار العدالة ؟
يقهقه كويدرة عاليا ،ساخر ا منه :
– أتقصدني أنا يا سيدي ؟
-ومن غيرك ؟ أمامي أنت والجدار !
أنا لست رجلا ياسيدي ، لو كنته ، لما وجدتني هنا أمامك ،يحاكم خمرك الأشقر القادم من وراء المحيطات ، ذي علامة العكازة والطربوش ،خمري الأحمر الذي لا يساوي حبة بصل !
تعم الفوضى ، وتسري قهقهات الشماتة في كل أرجاء المحكمة ، و يهدد القاضي الحضور بإخلا ء القاعة :
– أجب عن سؤال القاضي يا رجل !
يبتلع كويدرة ريقه وتلمع عيناه الحمراوان :
– إسمي كويدرة : نبتة برية ،ترعرعت في تربة فاسدة ،يتبول عليها الحمير ، ويدنس طهارتها زناة الليل والسراق ،و يمتص ماءها خفافيش الظلام !
اسمي لم يحض بالذبيحة ، ثقبت أرضة المفسدين في الأرض جيوب أبي ، لم يبق له فلس لشراء كبش عقيقتي .
-سني : أمي لم تزغرد يوم مولدي ، ضيفا ثقيلا حللت ، كيف لها أن تزغرد ؟ لم تكن تملك جرعة حليب ، وثديها مترهل كفلفل مشوي ، عاث فيه الفقر فسادا، يا سيدي : كانت عندما أجوع ترضعني ماء ، ولا شيء غير ماء ساخن ! ،
-مهنتي : لص، لكني لا أسرق الميزانيات ، أسرق دريهمات قليلة من جيوب الأطفال الصغار ، أكري لهم الدراجة بنصف درهم لكل ساعة ،و دريهمات أخرى عندما أمتعهم بألعابي وخدعي السحرية، أليست هذه سرقة مشروعة يا سيدي ؟ أليست هذه سرقة ، أشرف من امتصاص دم الناس كالقراد ؟
يتأفف القاضي ويضغط على صدغيه بقوة ويعلن مكرها تأجيل الجلسة !
يسخر منه كويدرة قائلا :
– حكم [الويسكي] على [الروج] أتوقعه قاسيا ، باطلا وما يصدر عن باطل فهو باطل لا محالة يا سيدي !
كويدرة : هذا الرجل أمره عجيب ، غريب أغرب من الغرابة ! فيلسوف يحب الدعابة ، نحترمه ونحبه، يقسو علينا حينا ، ونقسو عليه أحيانا : هو منا ونحن منه ، نكتري منه دراجات هوائية صغيرة ، فيمتعنا و نمتعه بنصف درهم لكل ساعة ،سومة كرائية معقولة ، تراعي عوزنا ،لم يكن جشعا ، يكفيه من جيوبنا ما يقتني به [قبوشة/ قنينة ] من كحول لا لون له ، رائحته تشق القلب ،لكنه مفتاح لباب سعادته المجنونة ، ورؤيته الفلسفية :
رؤية تقزم المظاهر الخداعة ، وتفضح النفاق الاجتماعي ،كحول فعال ، يعلق طويلا بجدار المعدة : تسعون درجة قادرة على تشغيل محركات طائرة نفاثة ، يحلق به إلى قمة القمم ،حمقه حكمة ، وهذيانه نظرة عميقة لعالم عم فيه الفساد البلاد والعباد، وساد فيه العبث ٠ يعشق التحليق خالصا ،بين الفينة والأخرى تعكرصفوه دوريات رجال الشرطة و (سين وجيم ) كروش الحرام !
كلهم ينعتونه بالحمق والجنون ، و هم الحمقى و المجانين ، أما هو فطفل صغير يعري حقيقة حماقات البشر من زيف طلائها ٠٠ حماقات يعتقدونها حكمة ،فتجعل منهم موضوعا دسما لسخريته اللاذعة ، وما حكمهم في نظره إلا تفاهات و مسرح خيال و أحلام بقرة !
تلفظنا أبواب المدرسة ،نعرج عليه ، نجده منهمكا في إصلاح ما عاب من دراجاته الهوائية الصغيرة !
نستفزه بسؤال أو سؤالين ،نعشق أن يسلقنا بلسانه الناري ، لننتشي بحديثه :
-كويدرة ! كيف ترانا ؟ و من نحن ؟
يمسح بنظراته الحادة أجسادنا الصغيرة ،من الرأس إلى أخمص القدمين :
-أنتم زهور برية ، لم تتفتح بعد ، ستقتل نضارتها حرارة رمال صحراء قاحلة !
أراكم ضباعا تنام طويلا ،ثم تسرق صيد السباع !
أراكم مشروع قمل مصاص ، يقتات من دم الجياع !
نضحك حتى البكاء ، ويجامله أحدنا :
– ما أروعك يا كويدرة ! تدخل الجمل من الأذن اليمنى، وتستله من اليسرى كشعرة من عجين ، أنت عاصفة دون غبار ، فيلسوف دون سمعة ، حكيم دون صومعة !
يتظاهر بعدم الاهتمام بهذا الإطراء :
– و كيف تروني أنتم ؟ من أنا ؟
– نراك واعظا لبيبا دون جمهور!
نراك ملكا عظيما دون مملكة !
نراك قائدا كبيرا دون جيوش !
يضع مفتاح البراغي ، يشعل لفافة محشوة بالحشيش، يمتص دخانها ، يتلمظ نكهته ، يلتصق جلد وجهه بأضراسه المسوسة ، ويعب جرعة كحول،يزود مركبه المبحر بقليل من الطاقة ويقول:
-أخطأتم معرفتي يا أولاد ! أنا قطعة قماش شفاف من منامة تفضح عورة شهرزاد ، وتشعل نار حقد شهريار، أمسح غيوم الليل عن وجه القمر ،لأضيء العتمة ، أغزل من الألوان قوس قزح ،أخلق الجلال والجمال ، أنا [دو ن كيشوت] أحلم بتغيير العالم! أحارب طواحين اللصوص ، وأتصدى لرياح الفساد ،مطيتي عجفاء جوعى ، سيفي قديم ، يغلفه الصدأ ٠أتعرفون من هو [دون كيشوت ] يا سلالة الحرافيش ؟.
تتسع أحداقنا ونتبادل نظرات ، الاستغراب :
– كيف لك أن تعرف [دون كيشوت] ، وأنت لم يسبق لك تفكيك حرف ، ولا تخرجت من مدارس ، والله هذيانك هذا رأس الحكمة وجوهر الحقيقة ؟
-يا هؤلاء ، يا جهلة ! ما قيمة مدارس تفصل المعرفة على مقاسات خاصة ، تراعي مصالح شخصية ؟ ألا زلتم تؤمنون بسعادة الإسكافي وتعاسة الغني ؟ إن هي إلا أفكار خاطئة ، المعرفة : رغبة ، قوة إرادة وهي فطرية في الإنسان ! ألا زلتم تؤمنون بمعارف المدارس ؟ لعمري إ ن الحياة بحار معارف لا شطآن لها ، صحاري لا رمال لها ، متاهة متعدد ة المداخل والمخارج !
نفغر أفواهنا ، نفكر طويلا ، هذا كلام يزرع بدرة الشك في أنفسنا ، بدرة قد نسقيها قطرة ، قطرة ، لتنمو وتكبر في أدمغتنا الصغيرة ، فتتفرع بدورا لاتعد، كخلايا السرطان وتجتاح مدى الرصاص، في سنوات الرصاص ، سنعيد ترتيب أوراقنا ، سنشك في معرفة تقررها الداخلية ، ويسهر على سلامة تطبيقها بصاصو وأبواق القمع المخزني ، سنشك في كل ما تلتقطه راداراتنا من أفواه مدرسين مجبرين لا مخيرين !
ومن يدري ؟ ربما نكون[ دون كيشوت ] المستقبل، نغير عالما يجب تغييره !
كويدرة مات ، كويدرة مات ! كويدرة مات !
يسري الخبر في الدروب والأزقة : زيتا في قطعة قماش، نتلقى الخبر بذهول كبير! بسرعة الخطاطيف ، نقصد كويدرة ، حشوذ كبيرة ، تتجمع أمام محل الدراجات ، الكبار يحوقلون ،والنساء زرافات زرافات، يلكن الفضيحة :
– كويدرة : مات مخمورا ، قتله الكحول الرخيص !
مستلق على ظهره ، يعانق المسكين فراغ الفراغ ، رغوة ثلجية تغطي وجهه كله، عيناه جاحظتان ، قنينات الكحول مبعثرة في زوايا المكان ، لم نكن نعرف شيئآ مما وقع ،كل مانعرفه :
-كويدرة أراد أن يبحر بعيدا ، أن -يداعب النوارس القرمزية في جزره البعيدة، هذه المرة ،تشظى مركبه ، و انكسر مجذافه ، رحلة إبحار انتهت بمأساة !
شيخ طاعن في السن يجس نبضه ، يحوقل والدمع يلمع في عينيه :
-لا حول ولا قوة إلا بالله ،لقد احترق الرجل يا ناس ! التهبت أمعاؤه ، هذا الكحول فتيل لإشعال النار ، فما بالكم بجسد آدمي ، رحمه الله وغفر له !
تنتهي رحلة كويدرة ،و تستأنف بدرة الشك رحلتنا : تنبت زهورا في أدمغة شاخت قبل الأوان ، تنبت فينا أشواك وعي شقي وتمرد على واقع آسن جريح، يستمد كينونته من عفونة الزنازن و الرصاص !
بقلم الاستاذ : صالح هشام
الرباط 18 مارس 2017 !
للتوضيح :————————————————————————
-الجانكا : اسم محلي يطلق على الكحول الحارق .
-ويسكي : نوع من الخمور المستوردة .
-دون كيشوت : بطل رواية العالمي سرفنتيس
-قبوشة : اسم محلي يطلق على قنينة الكحول الحارق ودرجته 90
———————————————————————————-

من مواليد 5 يوليو 1959 بوادي، إقليم خريبكة، التحقت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية وتحصلت على شهادة الإجازة في شعبة اللغة العربية وآدابها!، جامعة محمد الخامس بالرباط، بعد حصولي على شهادة البكالوريا في شعبة الآداب العصرية سنة1980. التحقت سنة 1985 بالتدريس، تخصص اللغة العربية وآدابها!، وفي سنة 2007 التحقت بالإدارة التربوية بالرباط، ولا زلت أمارس مهامي بها إلى حدود كتابة هذه السطور!.
أغرمت بالقراءة والكتابة منذ نعومة أظفاري ،فقرأت الرواية والقصة القصيرة والشعر خصوصا الشعر الملتزم ، لكني كنت ميالا لكتابة القصة القصيرة، عزفت عن الكتابة والقراءة لفترة طويلة جدا ، أمام غياب الدعم و التشجيع والتحفيز !
ابتداء من 2014، عدت إلى غمار الكتابة، في مجال الخاطرة والمقالة بمختلف مشاربها، وألوانها، وقد لاحظت أن الشخوص تغلي في ذاكرتي كالحمم التي تبحث عن ثقب للخلاص، وكان فعلا إنتاجي في القصة القصيرة في هذه الفترة القصيرة جدا غزيرا جدا!
دخلت مغامرة النقد في مجال السرد والشعر، أملا في إنصاف الكثير من المبدعين الذين تضيع نصوصهم في أعمدة منتديات العالم الأزرق دون أن ينتبه لهم أحد !.
قمت بنشر إنتاجاتي الأدبية في مختلف المنتديات الأدبية، وفي أغلب المجلات الإلكترونية والورقية في مختلف أنحاء الوطن العربي، لم أبحث يوما عن الشهرة والتميز بقدر ما كان همي الارتقاء باللغة العربية ، التي مع الأسف تسير نحو الهاوية، وأتمنى أن أوفق في هذا المسعى، وكلي إصرار على تحقيق هذا الهدف إن شاء الله !.

السابق
فقير
التالي
معلم

اترك تعليقاً

*