القصة القصيرة جدا

كِفْتَةُ رمَضَان

ارتميتُ على الأريكة متعبًا، فصيام الصّيف له ضعف المشقّة، تكدّستْ ساعات النهار وتهادتْ في مشيتها، تظن أنها تعتزم البقاء لا الرحيل، فعقارب السّاعة تكاد تنطق حين أرمقها : أزحْ عني نظرتك فليس لك عليّ من سلطان، فأنا محرّرة من قيد هواك. أرى التذلّل في عيونك كي أسرع في المسير، فاصبر كما صبرتُ عليك طول السنة وأنت تهمل دقّات قلبي، تذكّرك أنّ عقاربي مقصلة. أهملتني، وشنقتني على جدار غرفتك تزيّن بي المكان، ونسيت أني منذرة ما فرّ من عمرك من زمان.
قلت: لومك المرّ يزيد حملي مشقّة، ألا يكفيني جوع، وارتخاء في المفاصل، وعطش… !!
ارتخيتُ ، طاف في ذاكرتي صراخُ والدتي علي : يا وَلَدْ، ألا يكفيك ما سرقتَ من كفتة السبانخ؟ ماذا تركتَ للصائمين؟
أفرّ بحبات الكفتة الساخنة كي أقايض بها حبّات سرقها أقراني في غفلة من أمّهاتهم، ويصير مجلسنا سوقا لمديح كل منّا ما سرق.
قريتنا مزروعة في عمق صحراء الجنوب، لا كهرباء تضيئ لها بيوتا، ولا ماء يطلّ عليها بلا شقاء. في قُلَّةٍ أو قِرْبَةٍ معلّقة على جدار في ظل اختبأ من صهد لهيب الهاجرة، لعلّ ماءها إن برد يروي الصائمين. أما أنا مازال مؤدبنا لم يأذن لي بالصيام.
والدي بعد صلاة العصر يحمل القفّة الصغيرة لجني حبات الرطب، من نخيل الواحة المحتضنة بيوتاتنا القصيرة المتناثرة، فالتمر مع اللبن في رمضان له القداسة والتبجيل، فمائدتنا وإن تواضعتْ بما حوت من طعام، فقد تعاظمتْ بما حوت من محبة، والدي يطعمني بيده لو تكاسلتْ يدي عن الطعام، والدتي تشجّع الجميع على انهاء ما حضر…
قبل أذان المغرب أصعد مع أطفال حيّنا على جدار متهالك قريب من بيتنا كي نرى الصومعة، فالمؤذن يصعد إلى أعلاها لعلّه يُسمع صوته البيوت المتناثرة البعيدة، ويرفع علم البلاد الأحمر، فإن عجز صوته عن الوصول إليها ، فالعين تدرك بالعَلَمِ انتهاء رحلة طول ساعات النهار. ويعمّ في الحي صراخ الأطفال الراكضين لبيوت حوت صائمين آذانهم تنتظر البشارة: أذّن…أذّن…أذّن…أذّن…
قطعت زوجتي حبليَ الممتد للماضي البعيد: أين سرحت يا رجل، قم استعد لصلاة المغرب.
فأرى مائدتها الطويلة قد زرعتْ فوق بساطها أشكال غريبة من المآكل، و الحلويات، والعصائر. لكنّ نفسي مازالت تهفو لكفتة السبانخ المتواضعة من كل بذخ وترف، ولرائحتها الشهية قبل الأذان.

السابق
غرورٌ
التالي
نقطة نظام

اترك تعليقاً

*