القصة القصيرة جدا

لا أبيعُ رعيّتي..

اتّكأ الملك على عرشه المزدان بالطنافس والحرير، وألوان الأقمشة الزاهية، وعن يمينه وزيره، وعن يساره قاضيه الأكبر، وإلى جانبيهما كبار رجال الدولة. دخل الحاجب ووقف بين يديه، وقال: وفد القصابين في الباب، يا مولاي. فأشار إليه أن ائذن لهم.
دخل خمسة رجال تبدو عليهم آثار السِّمَن والنعمة، فسلموا على الملك، ثم ابتدر أحدهم فقال: يا مولاي، جئنا نقدم فروض طاعتنا إلى أعتابكم السّنيَّة، ونحمل هدية متواضعة إلى خزينتكم العامرة، مقدارًا من المال، ألفَ دينار ذهبًا.
هزّ الملك رأسه بالقَبول، فتسلّمها الحاجب في صندوق من الفضة، ووضعها أمام الملك. فنهض قصاب آخر، فقال: يا مولاي، إن مهنتنا شاقّة مُتْعِبَة، ورزقُها شحيح، يومًا بيوم، فإن بات اللحمُ كَسَد وفَسَد، ومع ذلك كله فسعره لا يكاد يسدُّ الرَّمَق. ونأمل من حضرتكم السعيدة أن تأمروا برفع سعره؛ حتى لا يموت الذئب ولا تفنى الغنم.
سأل الملك: بكم تبيعُ اللحم؟
فأجاب القصاب: الرَّطْل بدرهم. يا مولاي!
الملك: وكم تريدون رفعه؟
القصاب: أن يصبح الرطل بدرهمين.
التفت الملك إلى الوزير والقاضي، فنهضا واقتربا من عرش الملك، فتناجى ثلاثتهم قليلاً، ثم تضاحكوا بمكر ودهاء!
وقال الملك: لا بأس، ارفعوا سعر اللحم، الرطل بدرهمين.
كان القصابون سعداء في صبيحة اليوم التالي وهم يفتحون دكاكينهم، ويعلقون التسعيرة الجديدة للحم. والناس تنظر إلى اللحم والتسعيرة باستهجانٍ. ثم يبتعدون. ولكن ما أن ارتفعت شمس ضحى ذلك اليوم حتى وصل إلى السوق موكب منادي الملك، ليعلن: ”باسم مولانا الملك؛ يُحْبَسُ كلُّ من يشتري اللحم اليومَ حتى أسبوع. ومن يشتري سيُجْلَد خمسين جلدة”.
أُسْقِطَ في يد القصابين، وهُرِعُوا إلى قصر الملك، يرجونه أن ينقذهم. فقام الوزير بين يديه، وقال: يا مولاي، أرى أن يدفع القصابون لخزينتكم العامرة ألفَ دينار أخرى، فهزُّوا كلُّهم رؤوسَهم موافقين. فقال الملك: لا بأس، تدفعون ألفَ دينار أخرى، ويعود السعر إلى درهم واحد للرطل. فنظر القصابون بعضُهم إلى بعضٍ واجمين. وقالوا بصوت واحد: ولكن، يا مولاي… . فقاطعهم الملك صارخًا بهم: أنا لا أبيع رعيَّتي بألفِ دينارٍ!

السابق
الحب المسبي
التالي
تغير…

اترك تعليقاً

*