مقالات

لا إبداع بدون تتلمذ!

قد نكتب ونبدع نصوصا نستطيب بعضها ، ونتفاعل معها ونستسيغها ونستعذبها ونطرب لها طرب المخمور بلا خمرة والمنتشي بلا أسباب نشوة ، وهذا رائع وجميل! لكن السؤال المطروح والذي أراه شخصيا مهما وعريضا ويحتاج إلى أكثر من وقفة تأمل وتمحيص : ما مدى تتلمذ نا على غيرنا في مجال الإبداع ؟
وإذا كنا كذلك فمن هم أساتذتنا من هم قذوتنا ومعيننا الذي نمتح منه؟ فلا كاتب ولا مبدع بدون أستاذ ، بدون قذوة أو مثل أعلى يحتدي به في عالم الكتابة والإبداع هذا العالم الشاسع الأطراف والشائك ، أم أننا كقشة تتلاعب بها الريح في أعماق السماء ، أو أننا كالمركب المهترئ الذي تتقاذفه الأمواج ، دون معرفة أين سيرسو بنا وعلى أي الشواطئ سنحط الرحال ؟
فهناك من يصيبه الحرج ويتعرق جبينه من التتلمذ على غيره ولا يرضى بهم أساتذة له ، ويعتقد -خطأ -أن الإبداع الحقيقي هو الذي تعلن فيه القطيعة مع من سبق من أساتذة كبار احتفى بهم تاريخ الإبداع ، وعمروا الفكر والذاكرة الإنسانية بروائعهم و تحفهم في مختلف مجالات الأدب والفكر، هؤلاء الذين كانوا أساتذة لكن بدون تلاميذ ، في عصرنا الأغبر هذا ، فهناك من يريد -كبرياء – أن يخلق الفراغ من الفراغ ، و هو يجهل أو يتجاهل أن الفراغ لا ينجب أو يخلق إ بداعا وأقصد هنا فراغ الذاكرة ، يتجاهل أن الإبداع سلسلة قوية متينة الحلقات ، لا تنفصم عراها أبدا ، يشد بعضها بعضا أبد الدهر فلا يمكن أن نستعذب تتلمذنا على كبار الأساتذة . إلا إذا أصخنا السمع لعميق أفكارهم ، ونائي معانيهم ، وغصنا في بحور علمهم وعلومهم وبحثنا في متاهات مكتبات الموتى والأحياء عن روائع كنوزهم التي تأكلها الأرضة على رفوف المكتبات العامة والخاصة وهي تنتظر من يزيل عنها غشاوة الغبار في هذا الزمن الأغبر !
ولا أطلب في هذه المقالة أن نلبس عباءة غيرنا ، ونشتم الهواء بأنوف الآخرين فلكل منا مقاسه وأنفه ، ولكل منا لونه وذوقه وذائقته الفنية والجمالية ، إنما أريد القول بأن التتلمذ لا يفيد تقليل الشأن والحط من القدرة على الإبداع ، لكننا نجد أنفسنا مجبرين على أن نكون تلاميذ نجباء لأساتذة عاصرونا أو سبقونا زمنيا ، فنلبس لباسهم ولو من باب الاستئناس وإلا فإننا سنبقى عراة حفاة تائهين في متاهات الإبداع ، فالحوار قائم دوما وأبدا بين السلف والخلف ، بين الأستاذ والتلميذ ، بين الماضي والحاضر ، و هذا الحوار عليه تبنى الحضارات الفكرية للإنسان : فعلا وتفاعلا، تأثرا وتأثيرا ، وبدون هذا التفاعل الفكري ، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يستمر الإبداع و هو يحيى في بيئة موبوءة فكريا ، لا تعترف بأستاذية السلف وتتنكر لتركته !
فالفكر الإنساني قد يصيبه الضمور والتلاشي والاضمحلال في يوم من الأيام إذا همش الاغتراف من معين السلف ٠ أن تبدع في جنس من الأجناس الأدبية إبداعا يشهد له الجميع بالتميز يلزمك أن تتلمذ على يد أساتذة أعلام في هذا المجال أو ذاك ، فهم أيضا كانوا في يوم من الأيام تلاميذ غيرهم وهكذا يتم تبادل المشعل المعرفي والإبداعي بين الحقب والعصور ، ولم لا فنحن أيضا نبحث عن تحقيق التميز الإبداعي الذي ربما سيجعلنا في المستقبل أساتذة لخلفنا فنستحق عن جدارة أن تقتدي بنا الأجيال اللاحقة ، قد يقول قائل: إن بصمة الإبداع كبصمة الأصابع لا يمكن أن يشترك أو يتشابه فيها اثنان أبدا ،أقول : لذاكرة البشرطقوسها الخاصة إذ لا تجود عليك بالقليل إلا اذا زودتها بالكثير ، ولا يمكنها أن تعطيك وأنت تبخل عليها بعطائك .فالإقبال على قراءة آثار أساتذة سابقين سواء في مجال النقد والإبداع أوالفكر الانساني بصفة عامة سيجعلنا نتأثر بهذا الأستاذ أو ذاك فيطبعنا ببصمته الإبداعية ولكننا تلقائيا نذوب بصمته هذه في بصماتنا فلا نخاف إذن السقوط في فخ التقليد إن هو إلا نتيجة لضعف مخزون الذاكرة ، أو ربما يكون جدارها أملس لا يعلق به شئ !
فكم نحن في أمس الحاجة إلى التتلمذ على يد أساتذة كبار يحبل بهم التراث العربي خاصة والإنساني عامة ، هؤلاء الذين كانوا أساتذة بالفعل، اخترقت سمعتهم العلمية حدود الزمان والمكان كما اخترقوا الذاكرة الإنسانية، لكنهم وجدوا أنفسهم أساتذة بدون تلاميذ ،مبدعين بلا قراء ، كتابا بلا كتب ، فكم هم النقاد أو المبدعين العرب بصفة عامة الذين تتلمذوا على قيدوم النقد العربي عبد القاهر الجرجاني واستوعبوا إبداعه في مجال النقد الأدبي ، إننا في أحسن الأحوال لا نعرفه إلا من خلال عناوين كتبه والتي لا تثير في أنفسنا أي إعجاب لأننا فقدنا ذائقة الإعجاب فتساوت أمام أعيننا كل الألوان ، آذ لا نقترب من هذه الروائع وحتى إذا كان ذلك فإننا لا نجرؤ على فتح أبواب كنوزها ، فنقلب الكتاب بين أيدينا ذات اليمين وذات الشمال ونضعه بين الأشياء التي نستعملها للزينة في بيوتنا ، فلا نكاد نقرأ جملة منه إلا ويصيبنا الدوار والغثيان لأن الرغبة أصابها البوار والكساد ، فتضيع هذه الكنوز، يقتات عليها الغبار وتعشعش في بطونها الحشرات ، في المكتبات العامة ، أو نحتفظ بها في مكتبات منازلنا نتملى بروعة الخط العربي المذهب المنقوش على دفتيها ٠ ولا أقصد من هذا أن نتتلمذ على يد كل من كتب في مجال النقد أو الإبداع مهما كانت مكانته العلمية ، أقصد التتلمذ على تلك الفلتات من الزمان التي جاد بها ولم تتكرر والفلتات -كما نعرف – قليلة ونادرة ، ولا يجود بها الزمن إلا لماما !
أذكر أن أحد أساتذتي الجامعيين ، كان ينصحنا ونحن على مقاعد الدراسة ، بأن نقرأ قدر ما نستطيع لكن أن نقرأ للسباع لا للضباع ، ويقصد بذلك أن نقرأ للأربعة/ الرواد الذين لم يجد الزمان بغيرهم في مجال من مجالات الإبداع قصد التسلح بالمنهج والطريقة، في التفكير وهم في أحسن الأحوال قد لا يتجاوزون العشر نفر في كل مرحلة من المراحل و ما عداهم فضباع يدورون في حلقة هؤلاء السباع يقتاتون من بقايا الصيد الثمين !
والمقصود بالتتلمذ : أن تمارس القراءة الجادة للأساتذة الكبار الذين طبعوا المشهد الأدبي والإبداعي بطابع كان قادرا على اختراق الزمن والمكان والذاكرة البشرية على مر العصور ٠ وعندما تقرأ لهؤلاء الكبار فلا تعتقد أن إبداعك سيكون نسخة طبق الأصل لإبداعهم ، فقط آمن ( بأننا لا نستحم في النهر مرتين ) وأنه لا يمكن أن تستبدل بصماتك ببصمات غيرك إن لم نقل إن ذلك مستحيل ، لأن ذاكرة الإنسان رسام ماهر قادر على خلط الألوان ، ومزجها بغيرها ، ليبدع لونا جديدا ، قد لا يكون له سابق ولا لاحق ٠
لكن هذه( الذاكرة / الرسام) تعجز عن خلط الفراغ ومزخ الخواء بالخواء ، في حالة عدم توفر الألوان كمرجعيات تعتمد في عملية هذا الخلط ٠ ولعل ما تقوم به الذاكرة من المعارف والعلوم والآداب قد ينجيك بشكل أو بآخر من التقليد ، لأنها تفصل ألبسة من سبقوك على مقاسك إما تناصا أو تداعيا أو توارد أفكار ٠
و الطامة الكبرى هي أن لا تكون في جعبتك لا ألوان ولا لباس لقديم أو حديث ، فتجد الذاكرة نفسها كالرحى تدور في متاهات الفراغ وتطحن الفراغ ، أو كالمعدة الفارغة تجتر جدارها ، فتنتج كتابات ضحلة فقيرة لا جمال ولا رونق فيها ولا ترقى إلى مستوى الإبداع(ففاقد الشيء لا يعطيه ) ، فلونك حتما سيكون من ألوان أساتذتك ، لكن له خاصيته الخاصة ، فألوانهم لا يمكن أن تحل محل لونك ٠
فكيف للمبدع أن يبدع وهو لا يعرف شروط الإبداع ، فيعتقد أن الإبداع خلق من عدم أو خلق على غير سابق، فهذه خاصية إلهية لا بشرية أما إبداعنا نحن البشر – فهو خلق من سابق على غير سابق . فالتتلمذ إذن مسألة ضرورية ضرورة الماء والهواء للحياة ، لكل من اقتحم هذا العالم الرائع والمعقد في الوقت نفسه أيما تعقيد ، ولا أحصر هنا التتلمذ على أستاذ بعينه ، فكلما تعدد الأساتذة الكبار ، كلما كان جدار الذاكرة أكثر توسعا وغنى ، وقد يحميك هذا التوسع من كل ابتذال ، واختلاف المعارف والأفكار يخرجنا من نمطية عقلية القطيع كالشعرة من العجين ، أرى شخصيا أن هؤلاء الأساتذة قدماء ومحدثين قد حددوا لنا معالم الطريق الذي يجب أن نسلكه وأضاؤوا لنا عتمة الكتابة والإبداع من خلال ما تركوه من قواعد وأسس ينجح في مسعاه كل من سار على هديها واستنار بنورها ٠
اقرأ أحيانا نصوصا أدبية أبحث فيها عن متعة القراءة وأتوخى منها نشوتي وانتشائي في مجال السرد أو الشعر فأجدها تنغلق انغلاقا ، يضيق الرؤية ويحرم من اللذة ، فأجد نفسي أعوم فوق سطح الماء فلا بريق اتوهمه جوهرا يجذبني إلى العمق . فأراوح مكاني ،لأنها تكون نصوصا مقروءة بمفهوم رولان بارت ، يدعوني كاتبها إلى استهلاكها دون أن ينقلني من منطقة السلب إلى منطقة الإيجاب ، أي من اللاتفاعل إلى التفاعل ، أجدها نصوصا تعزف عن المعاني الثواني ، وتكتفي بالمعاني السطحية التي لا تقدم ولا تؤخر في مجال الإبداع ، فتخنق السؤال في نفسي كقاريء متذوق، متطفل ومتعطش للمعرفة! فالإبداع الحقيقي هو الذي لا يعطيك المعنى على طبق من ذهب ، بل يمنحك حقك في ممارسة التفسير والتأويل والتفكيك والتحليل لأنك تكون بصدد قراءة نص دسم متخم بالمعارف التي امتصها من حقب زمنية سادت فيها حضارات ثم بادت ، أو من حقب معاصرة ، لأن امتصاص هذه المعارف هو الذي يخلق في نفسك الغرابة والإدهاش ، ويجعلك كما يقول عبد القاهر الجرجاني تجد نفسك أمام كلام يروح السمع يسترقه أو يختلسه اختلاسا وهو يتنصت على النائي والعميق !
فرتابة طلوع الشمس، لا محالة تقتل الغرابة والإدهاش في الرؤية ، كالطعام بدون ملح تجد النص ، فلا تستسيغه ، ولا تطرب له ، فتنفر منه ، وتضيع مجهودات الكاتب ، و تطعيم النصوص بما يخلق المتعة الفنية في القراءة لن يتأتى من فراغ وإنما من تتلمذ المبدع على يد غيره من الأساتذة الكبار ، والاستاذية لا تعني هنا بالضرورة أساتذة من لحم ودم عاشوا في مرحلة من المراحل ، فقد يكون التتلمذ على أفكار وتصورات فلسفية ذات معان إنسانية رائعة كان لها تأثيرها على التفكير الإنساني ! فقد يتتلمذ المبدع على انتاجات إنسانية رائعة مجهولة المبدع ، كما هو الشأن بالنسبة لبعض الآثار الإنسانية والأساطير ، التي غالبا ما تطعم نصوص شعراء كبار على شكل رموز أو إشارات وإحالات ، فتقذف القاريء في بحار البحث عن الدلالات والمعاني و للكشف عن مستورها ، فالنصوص الإبداعية الحقيقية والمتميزة هي التي تدفع القراء إلى البحث عن المعارف الإنسانية ، لتحديد تعالقاتها ، أما الضحل منها والفقير فهو الذي يجعل القاريء يراوح مكانه ، فلا يبحث ولا ينقب في متاهات التفكير الإنساني ، ولا تثير في نفسه أي سؤال أو تساؤل ، فالإبداع من حوافز و دوافع البحث عن المعرفة !
ولتحقيق هذه الغاية الأدبية والإبداعية أرى أنه من الضرورة بمكان أن يتتلمذ المبدع على يد عظام الأساتذة عبر التاريخ أو على عظام الأفكار الإنسانية السامية التي في وقت من الأوقات كان لها تأثيرها ، في حياة الانسان ولا زال تأثيرها إلى يومنا هذا ! بدون هذا أو ذاك فإنك لن تكتب إلا إنشاء أشبه بإنشاء تلاميذ نجباء في فصول الدراسة !

من مواليد 5 يوليو 1959 بوادي، إقليم خريبكة، التحقت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية وتحصلت على شهادة الإجازة في شعبة اللغة العربية وآدابها!، جامعة محمد الخامس بالرباط، بعد حصولي على شهادة البكالوريا في شعبة الآداب العصرية سنة1980. التحقت سنة 1985 بالتدريس، تخصص اللغة العربية وآدابها!، وفي سنة 2007 التحقت بالإدارة التربوية بالرباط، ولا زلت أمارس مهامي بها إلى حدود كتابة هذه السطور!.
أغرمت بالقراءة والكتابة منذ نعومة أظفاري ،فقرأت الرواية والقصة القصيرة والشعر خصوصا الشعر الملتزم ، لكني كنت ميالا لكتابة القصة القصيرة، عزفت عن الكتابة والقراءة لفترة طويلة جدا ، أمام غياب الدعم و التشجيع والتحفيز !
ابتداء من 2014، عدت إلى غمار الكتابة، في مجال الخاطرة والمقالة بمختلف مشاربها، وألوانها، وقد لاحظت أن الشخوص تغلي في ذاكرتي كالحمم التي تبحث عن ثقب للخلاص، وكان فعلا إنتاجي في القصة القصيرة في هذه الفترة القصيرة جدا غزيرا جدا!
دخلت مغامرة النقد في مجال السرد والشعر، أملا في إنصاف الكثير من المبدعين الذين تضيع نصوصهم في أعمدة منتديات العالم الأزرق دون أن ينتبه لهم أحد !.
قمت بنشر إنتاجاتي الأدبية في مختلف المنتديات الأدبية، وفي أغلب المجلات الإلكترونية والورقية في مختلف أنحاء الوطن العربي، لم أبحث يوما عن الشهرة والتميز بقدر ما كان همي الارتقاء باللغة العربية ، التي مع الأسف تسير نحو الهاوية، وأتمنى أن أوفق في هذا المسعى، وكلي إصرار على تحقيق هذا الهدف إن شاء الله !.

السابق
طوفان
التالي
مُشَافَهَةً

اترك تعليقاً

*