القصة القصيرة جدا

لا شيء غيرك

أوراقٌ متناثرة، ملأتْ طاولتَهُ الصغيرة، كادتْ تُسْقط فنجانَ قهوته المحشور في الحافة، قلمه الأزرق يتراقص بين أنامله، الطقس صيف، وعباءة الليل مسدولة على المكان، ثقبتها تلك النجوم المتأرجحة بين أطراف قمم شجيرات حديقته الصغيرة، نزعتْ ما في الليل من رهبة، كانت بذورَ جمال النشوة ، والرغبة…
طافتْ عيناه في رحاب السماء، لمح ذلك النّجم المُوَشّى ببريقه، المتفرّد بمكانه، رفيق وحدته منذ الصّبا، ومهربه عند كلّ النّوائب. لو خانته الكلمات والصّور، ومرّتْ على خياله ليال عجاف، كان نجمه مصدر أفكاره، وإلهامه.
في الصّغر، إذا أغضبه الأهل، أو تخاصم مع اقرانه، انتظر اللّيل، ليطلّ عليه صديقه النجم العطوف، يكشف له جراحاته الصّغيرة، يشعر به أمًّا تمدُّ يدًا، من خلف تلك المسافات البعيدة، تمسح جرح طفلها الشّاكي، وتؤنس وحدته إن طال ليله، وتسلّيه.
كَبُرَ.. كبرتْ أحلامه.. وما تصدّع جسرٌ مدّه للنّجم ليزداد قربًا.. قلبه ذاق الهوى، فاشتكى للنّجم : يا رفيقي دلّني، كيف أمشي في طريق الحب، و أنا كما تعرف في الحبّ رضيعٌ؟. كأنّ في صمته جوابًا: أيحتار من كانتْ رفقته في الهوى نجم المساء !! أيّها الشاعر، خذ جمالي، و بريقي، و سكوني… واسكبه على الورق المتوّج بالبياض، سينمو في شِعْرِكَ ربيعًا مفعمًا بالحياة.
ثقلتْ في الدنيا خُطاهُ، و الحمامات السّود في المفرق وشّاهن البياض، أدرك أنّ الحياةَ فيها سرّ غامض، لو حاول منه اقترابا ، فقد العقل الصوابَ، و تغنّى بأناشيد الجنون.. قال الحلّ عند صديقي.. فنجمي يهديني السّبيل، قديما كان في البحر صديق التائهين. و ملاذ العاشقين، ورفيق ساكني الصحارى الشاسعة.
يا صديقي حيّرتني الأسئلة :كيف أسعى لأكون في الحياة مختلفا؟ كيف أطير خارج السّرب و أعود بأمان؟ كيف أخلق من فكري ” الأنا ” دون أن أرتدي عباءة فكر القطيع؟ يا صديقي كيف أنحت من كلام الشعر تمثال الخلود ؟ كيف أعبر ذلك الجّسر القصير في الحياة ، ويغيب هذا الجسد المحكوم عليه من البداية بالفناء، و أنا أبقى هنا، في عقول من مرّوا.. ومن جاؤوا.. و أبقى بذورا للعقول القادمة؟؟…
لكن لا جواب ! النّجم خبّأته الغيوم الدّاكنة.. كامل الليل تراه باحثا عنه ، لا ضياء يقطع ظلام ليلته الحائرة..لكن من أين جاء ذلك الضوء الغريب !! فظلام الليل ما زال ظلاما، و الغيوم مازالتْ يحضنها صدر السماء. إنّه ضوء تسرّب من كهف روحه الحَيْرَى، ضوء خبّأه فيه كل من مرّ هنا، من علماء، وشيوخ، وعظام، وأنبياء..
سمع صوتا من كهفه يصرخ بلا لسان:
ــ أيّها الشاعر، يا صاحب الفكر، والروح، والإنسان ، أما عرفتْ..؟ أما أدركتْ.. أنّ في البدء كانتِ الكلمة مفتاح الوجود؟ وكنت أنت باب الكون، كلّ ما فيه قد جاء إليك، قد أُمروا: ( وادْخُلُوا البَابَ سُجَّدًا ).

السابق
إنتهاك
التالي
الأرض

اترك تعليقاً

*