القصة القصيرة

لا يكفي عشق الزّيتون؟

ظلّت شفتاه تتشبّثان بالسّيجارة وعيناه عالقتان بيديه وقد تعلّقتا بمقود الجرّافة.. ظلّ يكابد كرّا وفرّا والأديمُ بين المخالب تزداد كلومُه وشجرةُ الزّيتون تتعصّى..
تَمْتَم والسّيجارة تتأرجح بين شفتيه:” أتُراها تأبى انتزاعا من حضنه أم هو مجرّد عناد جذور شاخ فيها عبق الحياة..؟”، أخرس محرّك الجرّافة وقد خال أنّه يسمع صوتا.
تناهى إليه أنين.. تعالى.. أضحى عويلا.. ترك مقعده ونزل. فأذهله ما رأى..
الزّيتونة تترنّح كضرس نخرته شراهة صبيّ متيّم بالحلوى.. حفرة عميقة تحيط بها تزداد عتمة كلّما امتدّت نحو فؤاد الأرض.. انحنى يتأمّلها.. أدهشته سبائك من نور تمتدّ على جوانب الأرض وأشلاء بعضها تنزّ دما وقد مزّقتها مخالب الجرّافة.. قَرفصَ.. ارتعشت أطرافه وصدرُ الأرض تحته يرتعد، يتلوّى، يتلو تراتيلَ وجد سكنتها ذاتَ هطلِ عرقِ أبيه زخّاتٌ بلا ذاكرة للأمنية الأولى.. أصغى وقد ضمّ ركبتيه إلى صدره خشيةَ فقدان توازنه.
ما سمع غير عويل الرّيح تصفع وجهَها غصونُ الزّيتون المتشابكة.
تسلّل إليه صوت جدّه ذات صبا:” الزّيتونة كالحرّة.. لا تتعرّى، تظلّ تلفّ ملاءتها حولها، ولا تفتح ذراعيها لغير الحِلّ إلى حضنها يَعْبُرُ..”، تذكّر جدّته.. من الملاءة الزّرقاء تلقّفتها إلى أخرى بيضاء تزفّها إلى القبر. تناهت إليه دعوات أبيه على ثغر الفجر حاملا فأسه وجرّة الماء :”يا فتّاح يا رزّاق..بركتك يا أرضَ الزّيتون”.
رآه يعيش العمر عاشقا الأرض، كادحا بين حقل الزّيتون وبيدر الحبوب وبئره العميقة فخرَ الأجداد.. ترنّم سمعه، وبساط قِرى القطاف الأوّل يمتدّ، بأهازيج الخصب ترفرف في حكايات الأمّ عن غابة زيتون لا تنحني للعواصف، لا تتذلّل وإن أثخنتها جَلدا عواتي السّنين العجاف..
كم ردّدت:” الزّيتونة، كالأرض، لغارسها عِرض.. الزّيتونة حرّة تحيا شامخة لا تنحني، تهب قناطيرَ نبضِ فؤادها مآدبَ غذاءٍ ونورٍ ونارٍ.. حيِيّةٌ لا ترفع الخدر لغير أهلها حتّى وقد جفّت فيها ضروع الحياة وأضحت حطبا..”، هزّه اشتياق إلى عطر حكاياها عن عشق الأرض لغنج الزّيتون..
شرق سمعه بقهقهاته وإخوتِه وهم يتراكضون بين الشّجيرات يلاحقون الفَراش أو يفزعون طيور الزَّرْزُور” المتلهّفة إلى الحبيبات الغضّة، يقْفون رفرفة أجنحتها بحجارتهم التي ما ألفت أن تُخطئ طرائدَها، يتصايحون:”نارُنا لك يا المعتدي مِشواة..”.
أثقلت صدره تنهّدة وهو يرى نفسه وحيدا بين الأشجار الوارفة.
مشاربُ السُّبُل ابتلعت إخوتَه الذّكورَ الثّلاثَ وما نجا من أتون أسرها إلّاه.. تمتم:” أتراهم لايزالون يحملون في الرّوح نبض الزّيتون أم أحنت رؤوسهم عواصف الاغتراب وتاهت أجنّة الخطو فيهم عن أهازيج الرّحم..؟. مسعود منذ أشهر لا اتّصال يرد منه، وموسى وإبراهيم يقول العائدون إنّهما يبيعان الخبز العربيّ على الأرصفة..”.
قفز واقفا..
تأمّل الزّيتونة المتيبّسة.. ردّد: طاوعيني أيّتها الهرمة.. غدا بساعدي المفتول ورنين وصايا الأجداد في خافقي تخصوصب أحلامك ولا ينقطع لك نسل.. غدا يؤوب إخوتي وبنوهم فلابدّ من اخضرار دائم ونضار..”. وعاد يمتطي صهوة جرّافته وينقضّ على ما تشبّث برحم الأرض من جذور.

زهرة خصخوصي

كاتبة تونسيّة من مواليد 1974، متحصّلة على شهادة الأستاذيّة في اللّغة العربيّة وآدابها، لهاإصدارات قصصيّة ورقيّة في فنّ القصّة القصيرة، تحتفي بالبيان وشعريّة القصّ في منهجها القصصيّ، ناقدة تعتمد آليّات علم التّأويل في قراءاتها النّقديّة للنّصوص، كتاباتها منتثرة في المواقع الإلكترونيّة في الوطن العربي وفرنسا وفي جريدة التّآخي العراقيّة.

السابق
يوم مشهود
التالي
مقاربة تقدية في نص “ليلة أليمة”

اترك تعليقاً

*