القصة القصيرة

لساني

نهرتني أمي قائلة:
_ سأقص قطعة من لسانك..
لم أكن أدري وأنا طفلة الأعوام السبعة ماذا تقصد أمي.
منذ ذلك اليوم، صار شغلي الشاغل، وهميّ الوحيد إيجاد مكان أخبأ به لساني خشية أن تجده أمي، أو أحد أولاد عمومتي الذين يقطنون معنا في بيت جدي.
كنت البنت الوحيدة لعائلة جدي من أبي، وكان جدي لا يتوانى عن محاسبتي، وهو يفرك حلمة أذني لائماً.
_ عيب كبير أن تتكلم البنات مثل الكبار.
يضرب أبي كفاً بكف عاضاً على شفته السفلى، متحسرا وهو يرمق أمي بغضب لائماً، ثم يعقب لاحقاً:
_ ياللأسف، لو أنك أنجبت لي صبياً بهذا اللسان لكان له شأن عندما يكبر.
يتلون وجه أمي، يمتقع بالأصفر والأحمر، ويزداد عقابها لي.
كنتُ طفلة بريئة تشتعل في داخلي طاقة تجعل الكلام يتدفق من تحت لساني.. لم يكن هناك شيء يلجم أسئلتي، وكانت استفساراتي تسبق سني، لكن في كل مرة كانت أمي تغضب وتعاقبني بقسوة، ومن ثم تهددني بقص لساني الذي ما تركت مكانا قصياً إلا وفكرت أن أخفيه فيه.
في كل مرة كان لساني يقص، ويبتر جزء منه.. تزداد وحدتي وإنزوائي، لا صديق لدي سوى دفتر صغير أدون به كلمات وأسطر قليلة عرفت لاحقا أنها تسمى خواطر.
أصبحت قليلة الكلام، كثيرة الشرود، أنسى دائما أين خبأت لساني.. حدث مرة أن أخفيته بين أوراق دفتري الصغير وذهبت إلى مدرستي الثانوية.. زميلتي في الصف لمحت الدفتر بين كتبي، وألحّت عليّ كثيراً حتى اضطررت إلى إعارتها إياه بعدما وعدتني أن تعيده حالما تنتهي من قراءته.. كان لساني لا زال مخبئاً بين أوراقه.
مرّ أسبوع، وفي حفلة نهاية المدرسة قرأت زميلتي على الحضور بعض خواطري، مدعية أن تلك القطعة من اللسان لها.
ابن جيراننا شاب وسيم، يشبه فارس أحلامي، لم أتجرأ يوما أن أبادله النظرات، ولم أقوى على الرد على كلمات إعجابه، فاجأني هذا الصباح وهو يرفع يده بالتحية، وخاتم أصفر يبرق بين أصابعه،
اعتدت أن أترك لساني خلفي في كل مرة كان عليّ أن أتخذ قراراً مصيرياً في حياتي، ولكثرة ما خبأته نسيت أن لي لساناً.
نجح كل من حولي في العبور إلى أحلامهم، كل زميلات المدرسة السابقات تأبطن أذرع رجالهن.. وبقيت وحيدة.. تسللت تجاعيد العمر إلى وجنتي.. وبقيت أنتظر من يطرق بابي خاطباً،
صدفةً، التقيت صديقتي التي أعرتها دفتري وسرقته وقطعة لساني في حفلة المدرسة، سألتني وهي تدقق في ملامح وجهي الذابل، بعد أن ارتسمت ابتسامة خبيثة فوق شفتيها.
_هل تزوجتي من إبن جيرانكم ذاك الوسيم الذي أسميته في خواطرك فارس الأحلام؟!!
وددت أن أرد عليها، ولكني ابتلعت ملح دموعي مع ماتبقى من لساني ومضيت وأنا أتأتأ.
(من ذا الذي تغريه فتاة خرساء).

السابق
نوع
التالي
احتراق

اترك تعليقاً

*