القصة القصيرة

لعبة الحزن…

هي التي لقنتني أول درسٍ في الحزن، أنا تلميذ الحياة الغبي، كنتُ طفلا كما ينبغي، وكانت كما تشتهيها الخيبة، بملامح طفلة لم تتجاوز عامها الثامن بعد .

أراها الآن على هذه الصفحة البيضاء، وهي تمشي وتلتفت خلفها، كعهدي بها…أنا الذي كنت وما أزال أقع في حب – سريعي الأشواق – أولئك الذين يلتفتون خلفهم… ، بارعون هم في اغتنام الطازج من الذكرى، كأنهم لا يملكون سوى السير عُــمقا، نحو جهة القلب….محترفو تحنانٍ هـُــم، وجاهز كنتُ أنا مثلهم على الدوام، أحتفي بأقرب مشروع ذكرى…أُأثثني بنشوة لأكون خيمته الأنيقة الوثيرة .

وها إنني صرت أطول قامة من سنابل قريتنا، ومن أسيجة بساتينها، لكنني أعترف بأنني مازلت صغيرا أمام الذكرى الشاهقة لتلك الطفلة : سعدية ،..هي ذي الآن كل غاباتي تهتز، فتنكسر أغصانها من هذه الهبة الطرية لنسيمها….

سعدية بائعة الكعك، تمر الآن أمام شـُــبّاك ذاكرتي، وهي تحمل صينيتها المزدحمة بكعكها الأبيض بين يديها الصغيرتين، لتجول بها أزقة القرية كلها ….وأذكُــر…. كانت تشعرني بغيرة شاسعة كلما رأيتها على تلك الحال، وبرغبة جبّارة في الانخراط معها في لعبتها : لعبة الكعك…. فأركض إلى أمي وخلفيَ ينساب حلمٌ، كأنه جدول ماء، مترجيا إياها أن تصنع لي كعكا مثل كعك سعدية لأبيعه، فتنهرني: سعدية تلك يتيمة يا ولدي …………………….

ويُغلَق بابُ الحـُـــلم، تُحكم أمي إغلاقه بجملة واحدة، أعود بعدها منكسرا…. محطّما كأية فراشة تعيسة فقدت ألوانها…..آه كم يحسن الكبار تكميم أفواه الأحلام، وكم يحسن الصغار الصمتَ، وكم يُحسنهم.

لم أكن لأسأل أمي أيامها عن سبب رفضها ذاك…لم أكن أملك البراعة الكافية للحلم أبعد من حدود طفولتي، أو أعلى من سياج قداسة كلمات أمي ، لم أكن لأفلسِف معنى أن يكون طفلٌ يتيما،…. كانت كلمات أمي تلك كمرسوم مـَــلكيٍّ لا يناقش،… وقرارا تتهشم أمام جبروته كلّ فراشات أحلامي …هكذا حدث، ولست أعرف وأنا أكتب هذه الأسطر لماذا فهمت أمر الكعك على أنه لعبة غامضة ما …؟ لعبة خطيرة كان لسعدية أن تحتكر ممارستها دوني، لعبة تتسلى بها لا أكثر ولا أقل،…….. لعبةٌ سميتها براءتئذ : لعبة الكعك.

تعترف الآن طفولتي لكهولتي : ابتسامة سعدية هي التي كانت تحول بيني وبينها، سورٌ من حَجَــرِ الابتسامة الغض، من رأى منكم ابتسامة الفراشة؟….سعدية كانت تبتسم فتستحيل قريتنا كلها إلى حدائق من النجوم .

سعدية كانت لغزا شهي الغموض، هي التي درست معي في الصف نفسه لأكثر من خمس سنوات، غير أني لم أتكلم يوما معها، ولا كلمة واحدة….وحده (عُمر السَّـــــفْروتي) الذي كان يكلمها…. ينزوي معها في ركنٍ في باحة المدرسة ، وأذكُـــرُ…. كنت أقترب منهما مستبينا ما يهمسان به……………. وشوشات ٌولا شيء غير الوشوشات.

…وَوَحده (عُمَر السَّـــــفْروتي) الذي كان يشاكسها، يلقم من كعكها بقبصة أصبعيه ،وهو يستوقفها مُدعيا أنه يريد أن يشتري قطعة كعك، واضعا يده في جيبه كمشاغب محترف، وكأنه يتحسس قطع نقود، ثم يركض مبتعدا متضاحكا وهو يصرخ في زهوٍ باهظ : مالح…… كعككِ مالح، مالح …هاهاهاهاها.

وكانت هي تبدي بعض الأسى والغضب منه، لكنها لا تفتأ تبتسم بعد برهة، ابتسامتها العظيمة تلك، ابتسامة الفراشة….. كبيرةً تغفر ذنبَ صغير…. وتمضي إلى حالها، وهي تحرك رأسها في حسرةٍ كلها عزاء، لحال طفل شقي بريء،…. أتساءل الآن:

يا تُرى : هل كانت سعدية أكبر منا حقاٌ…؟ أم كنا أصغر منها فحسب؟….

فيجيبني صوتُ خفي ّ يركض الآن ملء تحناني:

كانت كبيرة ولا شك بكآبتها المتواضعة الشامخة.

مازلتُ أذكر ذلك اليوم الشتوي الممطر، يوم سقطت صينية الكعك من بين يديها ، وهي تعثر بحجر في الطريق، كنتُ أرْقـُــــبها بلهفة من شُرفة بيتنا العالية، نظرتْ يمينا وشمالا…وحواليها، لم يكن هناك من أحدٍ قربها،…جمعتْ قطع الكعك، وهي تزيل بقع الوحل عن فستانها الأزرق الجميل، وأجهشتْ بالبكاء…. أسمعه الآن بكاءها، وروحي تلعق عسل ذكراه وهو يذوب في نبض قلبي….. أيتها الذكرى: ما الذي يُحوِّل بكاء طفلة يتيمة منكوبة الآن إلى لحن لذيذ ؟… ما الذي يجعل عطش العمر يسيل شلالات من العذوبة؟……أيتها الذكرى أجيبي.

مازلتُ أشمُّ عطر الكلام : (حُمّص بالكَــمـُّـــون)، ينادي عُمَر السَّـــــفْروتي عند مدخل باب مقهى القرية زبائنه، كلما نصب الليل خيامه السامقة عليها، (حُمّص بالكَــمـُّـــون)….ياهْ ما ألذّ حُمصه الساخن، كان يكفي أن أذوق حبات منه لأنطلق راكضا إلى أمي أتوسلها أن تطهو لي حُمصا لأبيعه، عند مدخل باب المقهى، مثلما يفعل السَّـــــفْروتي، فتنهرني بجملتها الماردة تلك : عُمر، ذاك يتيم يا ولدي .

ركضتِ السنوات كسيل جارفٍ إلى حافة العمر،….ثلاثون سنة مرّت، فــرقتنا الحرب وشرّدت عواطفنا، سعدية التي علمتني قديما الذكرى، أترفتني بها بعد ذلك في غمرة جوع السنين، بعد أكثر من ثلاثين سنة، في ذلك الشارع الضيق من شوارع قريتنا رأيتها قادمة…. إنها سعدية ياااه لقد صارت امرأة….. عرفتُها، وهل أملك إلا أن أعرفها، كانت برفقة (عُمر السَّـــــفْروتي)، تمشي معهما طفلة سمراء في عامها السابع أو الثامن، تحمل قطعة كعك بيضاء بين يديها الصغيرتين، الكعك إياه الذي مازالت صورته ورائحته في تلافيف روحي، اقتربتْ منهما ..اقتربا ، سلّم عليّ (السَّـــــفْروتي)، بادرني بصوت بدا كأنه شاخ :

هذه ابنتنا……

كدتُ أقول له : أعرفُ أنها ابنتكما، ألا ترى أنها نسخة طبق الذكرى؟

كدت أقول له : إن كان صوتك قد شاخ ، فقد شاخت عكاكيز قلبي كلها، لكنني ابتلعت حسرتي، هممت لأحمل الطفلة لأقَــــبّلها، وفي اللحظة التي رفعتها فيها عن الأرض، سقطت قطعة الكعك من يدها ،انحنيت لألتقطها ، وقعت عيني على عين سعدية، سبقتْ دمعتي يدي إلى قطعة الكعك، سقطتْ فوقها، اصطخبت روحي وارتعشت بالصوت الناصع لعُمَرِ الطفل : كعكك مالح، مالح، كعك مالح…….. قبـّـَـلت الطفلة، سلّمت على (السَّـــــفْروتي)، وانصرفت مُسرعا عكس جهة الذكرى، أحاول إحكام إغلاقها.

السابق
أجيال
التالي
النـــســــيان

اترك تعليقاً

*