قراءات

لعبة المونولوج وتعدد الأصوات في نص “شهد الملكة”

للكاتب محمد الشطوي

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

مدخل:
إن بنية النص، هي جملة العلاقات التي تؤسسه، وبالتالي فإن استقراء هذه العلاقات، هي ضرورة ملحّة، في هذا النص، علّنا نظفر ببعض “الشهد”.

في العنوان:
“شهد الملكة” مركب إضافي، جاء للتعريف والتوضيح، فالعلاقة بين اللفظين علاقة تكاملية، ف”الشهد”، هوعسل النحلة، ما دام لم يعصر من شمعه، و”الملكة” صاحبة الأمر والسلطة.
فالعنوان لافت،يقوم على الاغراء، يدفع بالقارئ إلى طلب الشهد ـ إن استطاع إليه سبيلا ـ
فما علاقته بالنص؟.

في بنية النص:
يبنى الخطاب على محاورة داخلية، (مونولوق) وقد اتسم ظاهريا بالهدوء، لكنّه يكشف في الحقيقة عن ذات تتمزّق من الداخل، وتشهد صراعات مختلفة، وهو ما يدفعنا إلى الغوص داخلها، فنعثر على صوتين.
أ ـ الصوت الأول:
هذا الصوت يستند إلى ضميرالمتكلم، المفرد(الأنا) وقد قام خطابه على نسق حجاجي، مزج بنفس تفسيري، ويبدو ذلك من خلال الأدوات اللغوية، والعوامل الحجاجية، نذكر منها:
أدوات النفي (ليس، لا، لن..)
المركبات الاضافية (الهامي / عيني/ شفتي/ جذعي/…)
القصر والاضراب (فقط/ بل)
إن هذا التنويع في الأدوات، يؤكد أن المتكلم يرفض وضعية قائمة. ويسعى إلى تحقيق البديل.
هذا البديل المعلن عنه، والمشروط بمفهوم المساواة. ( كلنا أبناء تسعة) وهذه العبارة كاشفة، أن المساواة بدأت منذ تزمين عملية الخلق، وبالتالي فقد أقرّها الخالق قبل أن يطالب بها المخلوق.
فلو شاء للذَّكر حقّ الأفضلية في العقل لأقرّ ذلك منذ عملية الخلق.
بناء على ما تقدّم، واستنادا إلى هذه الحجة، ذات المنزع الديني، نؤكد أن الخطاب يهدف إلى تحقيق الاقناع، وهو في وضعية مواجهة لطرف آخر.
ب ـ الصوت الثاني:
هذا الصوت عوّل على الاستفهام، الذي خرج عن معناه الحقيقي ـ وهو الاستخبار ـ ليفيد التحقير
وقد ورد متواترا:
(أين أنت من فكره، وشهرة قلمه)
( أين أنت من لغته وجمال أسلوبه)
إن المقصد الأساسي، لهذا التوظيف، هو تقزيم هذه الذات الثائرة، ومحاولة حملها على التراجع، وهي طريقة معتمدة لافحام الخصم، أو “التبكيت”
وهو ما دفع بالصوت الأول إلىالتصريح بالمقصد أو الهدف وهو (فقط أريد مكانا)
وهذا “المكان” عبّر عنه الصوت، في موقع آخربقوله (المساحة)
وهنا يستوقفنا معجم “الفضاء” بالمعنى الفيزيائي، إذ بدت الذات مسكونة بهاجس الفضاء، حيث يمكنها التموقع، متعطّشة إلى”الثقة” التي بدت بدورها مفقودة.
الثابت أن هذا الحوار، يجري داخل الذات، وهو حواريضئ الكوامن، ويكشف عن لحظة الوعي الفارقة في تجربة هذه “الهي” التي بدت تحاكم “الهو”
إنه الجدل الدّائم بينهما.

في الدلالة:
إن النص مشحون بالدلالات، وسأكتفي بالإشارة إلى مثال وهو:
صورة المرأة الملهمة:
إن المرأة ـ منذ القدم ـملهمة الشعراء والأدباء والفلاسفة.
فهي قطعة فنّية من ابداع الخالق القديرـ الله ـ سبحانه وتعالى
التمس لديها المفكر/ الشاعر/الفيلسوف من الوحي ما لا حدود له، ورسم من خلالها الشعر أجمل القصائد، وخطت بقوّتها الرّوحية العظيمة ريشة الفنان، أروع الخطوط وأجمل الألوان.
فهي “أفروديت” وهي”فينيس” وهي “الملكة” ولها من “الشهد” أعذبه.
لكن هذه المرأة لم تعد ترغب في الاكتفاء بهذا الدور، بل تمرّدت عليه، ورفضته. فاصطدمت بصخرة الواقع الاجتماعي والفكري في بعض الأحيان.
وإن اصطدام المرأة المبدعة، أشد ايلاما ـ في الحقيقة ـمن اصطدام المرأة البعيدةعن حقل الابداع، لأن العاملة في هذا الحقل، الضاربة بفأسها في مواطن التّخلّف، المتوغّلة في أرض المعرفة، تحرثها
وتزرعها،وتسقيها من عطرها وآلامها لتنبت وتزهروتثمر، أشدّ قربا لهذه الأرض، تحزن عندما لا تخصب.

في تجنيس النص:
لقد جاء النص معبّرا عن موقف بطريقة “المونولوق”، إذ يصبح هذا الأخير هو التقنية الفنّية المعتمدة ، فهو مجسّد دال، جاء يجسّم المضمون على الصعيد الفني، فكانت التجربة “الكلامية” للكاتب من جنس تجربته الفكرية، فقد طابق الدّال الفني مدلوله الفكري/الايديولوجي.
فالكاتب طوّع تقنيات الكتابة، في نصّه “شهد الملكة” لفكرة آمن بها، وسايرها منذ انطلاق النص، بل يمكن الجزم، منذ العنوان.
إن الكاتب الأستاذ محمد الشطوي، ينطلق من فكر ثقافي تحرّري، يكسر ثقافة التعتيم التي تمارس على “المرأة” المبدعة خاصة، متجاوزا ما استقرّفي الثقافة العربية من التّصور “الذكوري” المقيت.
وليس لي أن أصنّف هذا النّص، ضمن “القصة القصيرة “التي تضع ضوابط عديدة ـ يطول شرحها وإنما أرى أن النص، ما زال يبحث عن شكله الفني، الذي يسيّجه، ويدخل تحت ضوابطه.
أو ربّما رفض النص أن يدخل تحت الضوابط المقعّدة والمقنّنة استجابة”للملكة” التي تثور على الموجود وترفض القوالب الجاهزة.
وإني أرى أن الكتابة، هي لحظة مطلقة، في الزمان والمكان، شرطها الأساسيّ السّياج اللّغوي والفكري.
وأخيرا أقول: لن تموت “الملكة” ما دام على هذه الأرض ما يستحقّ الثورة والمجازفة، في سبيل تحقيقه.
شكرا لصاحب النص الأستاذ محمد الشطوي والشكر موصول للأستاذة راعية الأدب والادباء الأستاذة سعاد العتابي.
وكل الشكر والتقدير لصاحب هذه المجموعة المتألقة، الأستاذ مختار أمين.
تحياتي وتقديري للجميع
وشكرا.

السابق
الوجه والقفا في نص “شهد الملكة”
التالي
عفَّة

اترك تعليقاً

*