القصة القصيرة

لعشب القمر حارسه

جاء في كتاب الحزن:” و ما أمر النّفس الحزينة إلا كسماء تلبّد الغيم فيها حتى أوشكت زرقتها على السواد، فإذا ما انهمر الغيث ثمّ انقشع الغيم بدت أكثر بهاء و صفاء.”
و أنا منذ استوطن الحزن دمي ، صارت السماء مطبقة على الأرض و صرت المنفي من أوردتي.أشار الصحب عليّ بترك المدينة، فللمدينة سَحَرتُها و عصاي نخرتها دودة الزمن ، و سلّمتني لسيدة الحيرة و الحزن. خضت عناء السفر ، زادي ياسمين البراري و عرجون تمر ، حتى وصلت سفح الجبل ، تراءى لي شيخ بلباس أبيض و لحية بيضاء ، لعينيه بريق و له هيبة و وقار. عرف قصدي ، رفع يده بالتحية ، يدعوني لأقترب.
دفعت الرياح جسدي المنهك و قذفتني عند قدميه كومة حزن و ألم.ابتسم الشيخ و قال:
-ما حاجتك يا ولدي؟
سألته: هل أنت شيخ الجبل؟
مدّ يده و شدّ يدي يرفعني لتمتدّ قامتي و يمتد ظلّه في المدى تمتم قائلا:
-أنا شيخ الجبل يا ولدي، أترى بك حيرة و ألم؟
قلت : يا شيخي صرت أسير سيدة الحيرة و الحزن و أنا منفي من أحلامي و من الغد.
قال شيخ الجبل: عشب القمر نهر من أنهار هذه الأرض ، توضّأ منه عند منتصف الحزن و عدْ كيوم ولدتك أمُّك بلا همّ يذكر.
-و كيف السبيل إليه يا شيخنا الفاضل؟
-عد إلى المدينة ، على حافة الوادي طريق يؤدّي إلى التلّ الأخضر يعبره نهر الحياة، على ضفافه ينمو عشب القمر.

شكرت الشيخ ، ودّعته عائدا إلى المدينة و قد استولدت نفسي أملا و تنامت في دمي رغبات جميلة .
بعد عناء و مشقة وصلت إلى المكان الذي حدّثني عنه الشيخ على مسيرة يومين من المدينة ،تناهى إلى سمعي عواء الذئاب و قد حام على القمر حرس و أرخى أنواره على الأرض ،جلت بناظري في المكان لعلّي أهتدي إلى جدوة نار يكون بقربها أناس أستأنس بهم ، تراءت لي من بعيد امرأة فاتنة الجمال ، تلك هي سيدة الحيرة و الحزن التي قابلتها منذ سنين و قلّدتني قلادة الهمّ و من يومها و أنا أسير لها و هي منطلقة تنعم بالحرية في هذا الكون الفسيح.كانت تقيم صلاة وداع على حافة الوادي .تساءلت في أعماقي كيف السبيل للهروب منها ، هل أضرب الوادي بعصاي النخرة قد ينفلق إلى نصفين و أعبر إلى الضفّة الأخرى و تغرق هي في أوحاله و في أحزاني؟
لكنّها التفتت و رأتني ، ثقبت روحي بنظراتها الساحرة و وجهها يضاهي البدر جمالا ، رنّ الخلخال يفضح خطاها إلى شوقي و أنا تائه عن عشب القمر أراهن على ماء النّهر و الوادي يحفر قلب المدينة. وقفت الفاتنة حلما بين ضوء القمر و إرهاصات طريق قالوا أنّه يؤدّي إلى جنّة حلمي، يقرّب إليّ الغد.اقتربت منّي وقفت أمامي عمود نور رُسمت على وجهه بسمة من ضياء ، نطقت بصوت عذب جميل:
-أيّها الآدمي أنت الآخر جئت تبحث عن عشب القمر؟
ارتجّ جسدي لسؤالها و قد كشفت أمري ،لكنّني تمالكت نفسي ، لم أقع على الأرض مغشيا عليّ من هول ما رأيت و ما سمعت ، استجمعت قواي بحثا عن خلاصي ، قلت لها:
-يا جارة القهر ما يضيرك لو أستعير وجهك البدري و أرحل في توحد مع جهاتك قد أولد من رحم الفرح مضمّخا بعطر الأعشاب البرية فلا أحزن أبدا؟
قلت كلماتي ، نثرت هي الودع في الطريق و أومأت برأسها ، لحقت بها في درب ليلي مسكون بصراخ المتأوّهين الحزانى، صار لصوتها لجام يشدّني و يخنق الكلمات في حلقي، توقفت فجأة ، سكبت كلماتها في روحي:
-عشب القمر قبيلة غزاها الفقر و الجوع رحلت عن ربعنا ، ماذا يضيرك لو تحزن قليلا ثمّ تفرح؟
-أنا ما جئت إلى هنا إلا ناشدا تعويذة الفرح و الشفاء من حزني.
-و هل شفي اللّيل يا ابن آدم من سواده؟
-لكن شيخ الجبل أرشدني إلى هذا المكان ، قال لي فيه عشب القمر مخلّص البشر من الأحزان.
تنامت قهقهاتها و رنّ الخلخال ، حاصرتني جحافل العطر منها
و القمر يتناهى في الصغر،تغمر وجهه أدخنة السحاب ، و عادت لتقول:
– يا بن آدم ، و هل يزيّن منك العيون غير هذا السواد؟
قلت لها:
-يا جارة الفقر و العوز و الجوع بي ضيق من أحزاني و أهفو إلى أفراح الروح ، بالله قولي لي إن كنت من الإنس أم من الجان؟
و ذاب صوتي في لجين القمر ، أغرق وجهها ، بكت السماء و بكت هي ثمّ قالت:
– أنظر إلى السماء هل ترى للبدر أثرا؟
أجبتها و أنا أقلّب نظري في السماء:
-هذا السحاب مزّق وجهه المنير و أسال جراح السماء.
-وهل غير جراح السماء تستوطن الروح أيها الباكي من الحزن
-لكنّني أحلم بربيع و فرح .
-و هل الربيع غير ما رأته عيناك جمالا، و هل الفرح غير المحبّة؟
رمت ودعها على عصاي و صار وجهها البدري هلالا ، ارتسم في الأفق بعد أن تلاشى السحاب و تناثر الرذاذ في المدى.
عدت إلى المدينة أجرّ خيبتي، دخلت وسط جموع المارّين في الطرقات، و مشيت حتى وصلت إلى المحطّة اختلطت أتربة الطريق بعرق الكادحين و اعتصر المساء حلمي حتى بدت لي جدوة نار في الأفق البعيد، تدافعت الجموع من جديد وجدت نفسي داخل القطار المؤدّي إلى مكان إقامتي و كلّي شوق إلى أهلي و صحبي، لم يعد يرى للوادي أثر، صافرة القطار اخترقت صمتي ، اتّكأت على عصاي و في عيني دموع و على ثغري ابتسام.

السابق
تعر
التالي
أسطورية المنحى ونسبية الإدراك في نص “لعشب القمر حارسه”

اترك تعليقاً

*