القصة القصيرة

لعنةُ الفراعنةِ

في إجازتها بالرِّيف الإنجليزي السَّاحر، وكعادتها كل ليلة قبل أن تأوي إلى الفراش تصفحت بريدها الإلكتروني، فوجئت بالتهديد السافر بالقتل إذا لم تنسحب، لم تهتز، حاولت تتبع الرسالة، لكنها كانت تمحو نفسها ذاتيًّا بعد ثوانٍ من فتحها، ابتسمت في ثقة وقررت قبول التحدي!
أثارت تصريحاتها النافية لوجود ما يسمى بلعنة الفراعنة، عاصفة من ردود الأفعال المتباينة بين الاستهجان والموافقة والإشفاق على مصيرها.
بدأت متاعب عالمة الحفريات النابغة، بمجرد تخصصها في الآثار الفرعونية، بدءًا من سخرية زملائها الذين لقبوها ب”حفار القبور”، وانتهاءً بأساتذتها الذين رفضوا الإشراف على رسالتها بحجج واهية.
بعد شهر واحد مات والداها الباحثان الجامعيان في حادث سيرغريب، انهار منزلها الريفي عقب مغادرتها بأيام، تراجع خطيبها عن إتمام الزواج وهاجر إلى بلد آخر، أصبحت نذير شؤم لكل من يمُتُّ إليها بصلة.
بعد لأيٍّ استصدرت الموافقات المطلوبة وغادرت إلى أرض الفراعنة، بأعجوبة نجتْ من ماس كهربائي بجهاز التكييف، وتمت السيطرة على الحريق الذي أتى على أثاث حجرتها المحجوزة بالفندق، في الحجرة البديلة عبثت أيدٍ خفية بمحتويات حقائبها، لم ينقطع تليفونها عن الرنين، وفي كل مرة تسمع على الجانب الآخر لُهاثًا شديدًا وصرخاتٍ مكتومة، يليها صمتٌ كصمت القبور، مُلئ قلبها رعبًا لكن لم تلن لها قناة، لم يفتَّ في عضدها رائحة الأتربة التي لازمتها، منذ قررت نقل المعركة إلى أرض الفراعنة وحتى النهاية، رائحة تعرفها جيدًا لا تنبعث إلا من المومياوات، ستائر الغرفة لم تهدأ عن الحركة رغم عدم وجود مصدر لتيار هواء، خطوات رتيبة تذرع سطح غرفتها جيئة وذهابًا طوال الليل، التقطت بعدستها المكبرة آثار أقدام لأطفال وبالغين بأحجام غير مألوفة، مطبوعة على سجاد الغرفة.
هل حقًّا أحاط الفراعنة كنوزهم بلعنة تلحق كل من يُقدِمُ على تدنيس مقدساتهم، وسرقة نفائسهم، وإزعاج الراقدين منهم؟ ولم لا؟ ألم ينفردوا بعلوم السحر والكيمياء والطبِّ؟ وفنون التحنيط وأسرار الفلك وخواص المواد؟ حتى إنهم امتلكوا مراكب الشمس، وبنوا الصروح الهندسية التى تحدت الزمن!
ألا تتعامد الشمس على وجه الفرعون القابع في معبده من آلاف السنين، يومين بعينهما في العام: يوم مولده ويوم جلوسه على العرش؟
هل نشروا نوعًا من الميكروبات السامة، تتفاعل مع زفير الكائنات الحيَّة بمجرد اقتحام الغرباء لحرم مراقدهم؟ أم أنهم دسُّوا نوعًا من السُّم البطئ، يفتك بالفضوليين الذين يلِجون مقابرهم ويُزعجون موتاهم؟
هي على يقين أن ثمة تفسيرًا علميًّا معقولًا لكل شيء، لا بدَّ أن عصابات نهب كنوز الفراعنة وراء الترويج لشائعة اللعنة، ذرًّا للرماد في العيون، وبثًّا للهلع في نفوس المنافسين والملاحقين لهم، وتغطية على جرائمهم في تصفية الخُصوم.
في آخر فوج سياحي غافلت المجموعة الداخلة للهرم الأكبر، انزوت في سرداب جانبي تعرفه من دراساتها المستفيضة، نزلت سلالم صخرية معدودة، زحفت أمتارًا محسوبة ثم غمزت صخرة بعينها، أحست بالرهبة حين وجدت نفسها فحأة وجهًا لوجه أمام صاحب الصَّرح العظيم، كانت في غرفة الملك، وجسده مسجى أمامها، تفقدت الكِمامة على وجهها في الوقت الذي تلقى رأسُها صدمة شديدة أفقدتها الوعي.
وقف آخر أفراد الأسرة أخوها المليارديرالأثري المتخصص في المِصريات، يشرح للصحفيين ملابسات كشف مقبرة جديدة بجوار الهرم الأكبر، بها عدة جثث لعمال من بُناة الهرم، وبينهم جثث بعض اللصوص، وجثة العالمة الأثرية الدكتورة هيللن أدامز، بعد انهيار مفاجئ لسرداب داخلي بجوف الهرم، تعمَّد تجاهُل الرد على سؤال حول ما إذا كان مصرعها له علاقة بلعنة الفراعنة.
في الطائرة العائدة إلى مدينة الضباب تم استدعاء طبيب الطوارئ – بعد فوات الأوان- لإسعاف حالة اختناق طارئة أصابت قائد الطائرة، كان هذا آخر ما سجله الصندوق الأسود للطائرة المنكوبة.
الصحفي الذي حاول إثبات أنَّ الأخ القاتل لم يستقل الطائرة، أودع مصحًّا نفسيًّا بعنبر الحالات المستعصية شديدة الخطورة.

السابق
يأس
التالي
سياسة

اترك تعليقاً

*