القصة القصيرة جدا

لعيونك يا حِنّة!

أغلق وراءه باب الغرفة، والتفتَ إلى عروسه التي تكورت في زاوية السرير، وقد ضمّت ركبتيها إلى صدرها، وتنقل نظراتها في أرجاء الغرفة التي ازدانت بإضاءة صاخبة الألوان، وتوزعت على السرير أوراق الورد الجاف من كل لون، وعلى الطربيزة إلى يمين السرير فواحة عطر شرقي كانت تعبق المكان برائحتها الشبقة، وعلى يساره وعاء كبير من الفاكهة المتنوعة، وإلى جانبه صحن صغير وسكينتان. جلس العريس على طرف السرير مبتسمًا وهو يفك ربطة عنقه وأزرار قميصه: أهلا بك يا حِنّة! وأخيرًا نحن لوحدنا! صرخت به: ابتعد عني؛ لا أريدكَ! كان صراخها هذا كفيلا باستثارته؛ ليهجمَ عليها بشراسةٍ وعنفٍ. كانت أصوات صراخها تعلو حينًا وتخفت حينًا، لتصل متقطعة إلى الذين تجمعوا في ساحة الدار: أبوها كان يتصبب عرقًا وقد احمرّت وجنتاه وبرزت عيناه اللتين تتجاولان يمينًا ويسارًا، ويداعب حبّات مسبحة زجاجية ذات صوت نشاز. وإخوتها يتفلتون من مقاعدهم، فتثبتهم فيها نظرات أبيهم القاسية الحازمة، أما أمهم فقد خنقتها شهقتها، فأشار إليها الأب أن تدخل عند النساء، حيث أمّ العريس وأخواته وزوجات إخوانه يبدين فرحًا مكتومًا رغم صراخ العروس المتقطع. بعد أكثر من ساعتين مشحونتين بالترقب والقلق، مرّتا كعقدين من الزمن، فتح باب الغرفة بهدوء وبطء؛ لتطل منه وهي تملأ الباب منتشيةً بثوبها الأبيض الذي لوّثته الدماء، وترفع بيديها سكينًا يقطر دمًا، وتضحك بهستيريا: طعنته..طعنته! عقد الذهولُ ألسنةَ الجميع وقيّد ركبهم، غير أن أخاها الأصغر أسرع إليها واحتواها وحملها مسرعًا بها خارج الدار، وهي تنتحب بنشيج عالٍ: لا أحبه! أريد خطيبي فارس! صاح بها أخوها: ”فارس مات وشبع موت”! – “أنا ما شفته ميت، ولا إنت شفته”! – ”ما حدا شافه، ولا بيعرف وين جثته”! فارس زينة الشباب، أحبّ حِنة حبًّا ما كَتَبَتْ عنه الكتب، ولا حَدَتْ به الركبان، ولا نظمه الشعراء، فلطالما سهرا معًا تحت شجرة الياسمين التي كانت تتكئ على جدار بيتهم، ولم يكونا يخجلان من حبّـهما أبدًا، وكأن عمره أطول من ثلاثة آلاف سنة، حين كانت هذه الأرض مأهولة بأناس غير آهليها الآن. محمد كان أصغر إخوتها، وكان الأقرب إلى قلبها، والأثر حَدَبًا عليها، ولكنه لم يكن يستطيع أن يقف في وجه أبيه وإخوته معارِضًا هذا الزواج الباطل. أمّا الآن فهو يحتويها بين أحضانه، وهو يعدو ويصعِد في الجبل وعينه ترقب القِمَّة البعيدة، وخلفه تتضاءل المسافات والقرى، حاولت أن تتكلّم، فقالت بصوت متقطّع متهدّج: “بتتذكّر فارس، يا محمد”؟! – “إيه بتذكّرْ، الله يرحمه، مات بطل وشهيد”، ونفسه يتقطّع من الصعود. – “كنت تقللي: لما تتجوّزو ما رح تحبو بعض؛ لأنكم ما خليتو حبّ بهالدنيا. شوف الآن وين صرنا؟!”. زاد نَفَسُها تقَطّعًا، وصار محمد يشعر بثقلها بين يديه، وبدأت البرودة تسري في أطرافها، ومحمد يضمّها إليه أكثر، ويزيد من سرعته في الصعود، حتى وصل قمة الجبل، حيث الرياح تصاول المكان من كلّ جانب. فسجّى ياسمينته بهدوء وهو ينظر إلى التماع وجهها تحت ضوء القمر، وأسند رأسها إلى ساقه، ودموعه تنهمر على خديه. أشارت إلى السماء بيد واهنة: “جاييتك يا فارس”! ثم التفتت إلى محمد: “أمانة يا محمد ازرعني هون على راس الجبل”، وفاضت روحها بين يديه، وخلع سترته ليغطيها، ويعقد يديها على صدرها، وإذا بها ما زالت تحتضن السكين التي طعنت بها الوغد. حمل السكين وعاد إلى الجمع المضطرب، وشقّ طريقه إلى العريس المسجّى جريحًا يَشْخُرُ كالثَّوْر، ولما وصله بادره بطعنة في رقبته، وهو يقول: “لعيونك يا حِنة”.

السابق
تناحر
التالي
عـاشقـان

اترك تعليقاً

*