مقالات

لغة اللغة والحفر في جسد لغة النص!

لغة اللغة تمارس الحفر في جسد لغة النص بحثا وتنقيبا عن الجواهر والدرر و تحفر عميقا وبلا هوادة ،تهدم ما بناه المبدع ومن أجل إعادة بنائها بناء جديدا ، وحياة النص تتوقف على المتح من أرشيفات الذاكرة الإنسانية عبر الزمن ، و هدم هذا الكم الزاخر من النصوص وإعادة بنائها في قوالب نصية إبداعية تحظى بالتميز، تقول الناقدة جوليا كريستيفا [ النصوص تتم صناعتها عبر امتصاص ، وفي نفس الآن عبر هدم النصوص الأخرى للفضاء المتداخل نصيا ، ويمكن التعبير عن ذلك بأنها ترابطات متناظرة ذات طابع خطابي ]
عملية المبدع هذه تستوجب إبحار الناقد في تلافيف النص وبدون وصاية أبوة هذا المبدع على النص وبدون وصاية العقل – كما يرى ذلك دريدا – من أجل التنقيب في طبقات النص المبدع عن روائع الجمال والجلال التي خلفها الفكر البشري و ترسبت منذ آلاف السنين في ذاكرة المبدع وشكلت مخزونه المعرفي وأيضا لإحياء موتى المبدعين في عصور خلت والذين يحتويهم النص موضوع القراءة واعتبر شخصيا النص مكتبة للموتى ينتظرون إحياءهم من طرف الناقد بصفة خاصة والقراء بصفة عامة ويحلو لي أن اسير على خطا “إمرسن ” في اعتبار النص الإبداعي أشبه بالمكتبة الممتلئة بالموتى الذين ينبعثون من جديد عندما يفتح الناقد المبدع صفحاتهم، فالنص أشبه بالمغارة السحرية التي كلما توغلنا فيها كلما ضعنا في متاهاتها، فهو فائض من الجمال في العالم الذي لا يعترف بالحدود الزمانية والمكانية ، فالمبدع يعمد الى توظيف هذا الكم النصي بشكل متعمد اختيارا وانتقاء أو عن طريق التداعي وتوارد الأفكار وبشكل لا إرادي ، وقد يكون هذا المتح على مستوى التضمين أو الاجترار أي إعادة استنساخ النصوص وببصمات مبدعيها الأصليين ، ،وهذا أسوء نوع من الامتصاص لأنه لا يأتي بجديد يذكر ، فيكون الكاتب نسخة لغيره ناقلا لما خلده الآخرون ، فتمحى بصمته ويقذف به في مزبلة تاريخ الابداع ، وإما أن يأتي كذلك على مستوى التناص ، أي تناصص النص مع نصوص أخرى من مختلف الحضارات والعصور ، وإن كان لكل نص استقلاله ببنيته الخاصة ، وورغم ذلك فإنه يبقى ككتلة جيولوجية تتكون من طبقات رسوبية من الكنوز / القديمة والحديثة التي تنتظر استجلاء مغاليقها وتحليل شفراتها في لحمة النص المقروء نقديا ، و هذا بطبيعة الحال يستوجب نوعا من المعرفة الخاصة بالنسبة للناقد الذي إن افتقر إلى المعرفة الموسوعية يتسبب في دمار النص وتحميله ما لا طاقة له به فالقراءة النقدية هي إعادة اكتشاف أسرار يومض بريقها في النص وإعادة إحياء ما مضى في الأزمنة الغابرة ، ولإنجاز هذه المهمة الصعبة لا يمكن أن ينطلق من الفراغ لأن الفراغ لن يولد إلا الفراغ ، فهذه النصوص التي تكون لحمة النص موضوع القراءة ،تشكل صعوبة كبيرة للناقد باعتباره قارئا وهذه الصعوبات قد يكون مصدرها النقص الحاصل في معلوماته لأن النقد يتعالق مع مختلف العلوم و النصوص تمتح من المعين نفسه ،فيعترض إبحاره حاجز نقص المعرفة فينكسر المجذاف وتفشل العملية النقدية برمتها ، فتكون القراءة وبالا على النص و تتسبب في تدميره وتشويهه فتنخرم أواصر الثقة بين قطبي الإبداع ( الناقد / المبدع !
فالنص يكون بمثابة القنبلة المضغوطة التي توشك على الانفجار، حيث ينفتح على مستويات لا حصر لها من القراءات ، إذ يتجاوز كل الحواجز الفكرية والعقلانية ، ولعل مرد هذا الكم الملاييني من القراءت يدل بشكل أو بآخر على أنه يتكون من هذا الكم الهائل من النصوص ، التي تنهدم وتذوب وتنصهر في بوثقة النص/ المولود الجديد ، فيأتي الناقد خبيرا في إبطال مفعول هذه القنبلة / النص ومن ثم يتمكن من الغوص في أعماق دلالاته و معرفة المواد التي تكونه وإن كانت القراءة كيفما كان نوعها لحظية حربائية لا تستقر على حال يقول خورخي بورخيس: ” الفن يحدث في كل مرة تقرأ فيها قصيدة ٠٠” ، ولن تكون هذه المواد إلا تلك النصوص الغائبة المنسية والمترسبة ،و التي تكون مستوحاة من بيئات مختلفة وعصور وأمكنة مختلفة ، فالنص ما هو إلا ملتقى نصوص كثيرة مختلفة تحقق تكوينه الطبعي هو إذن اقتباسات مجهولة الهوية في أحيان كثيرة ، يكون الناقد مسؤولا عن تحديد وتعريف هذه الهوية ، وهي اقتباسات تساعد على ارتقاء النص في درجات سلم الإبداع كما تضمن انتشاره على أوسع نطاق وفق قراءاته التحليلية المتعددة !
هناك كتاب كثر يميلون لتوظيف الأسطورة وينحون منحى الغرابة في ذلك وقد يترفقون بالناقد ويتركون بعض الإشارات أو الإيحاءات والتلميحات عن هذه الأساطير التي يوظفون فتكون كنوزا لكن بريقها يومض ويخبو وينتظر من هذا الناقد ان يستعين بزاده العلمي و المعرفي الذي سيمكنه من تفكيك هذه النصوص الإبداعية ! فالذي لا يعرف في الأسطورة شيئا أو التاريخ أو السير الشعبية أو قصص الشدرات أو محكيات التراث الإنساني بصفة عامة لا يمكنه أن يقرأ نقديا نصوصا تتنوع كقشرات حبة البصل ، وفي حالة عدم التمكن العلمي والمعرفي لا يمكن للناقد أن ينجز قراءة سليمة تستجلي ما استغلق من النص ،وما خفى منه !
إن فضح الخفي والمستور من هذه النصوص الغائبة ليس بالأمر الذي يمكن الاستهانة به ، فمبدعو الغرب كانوا ميالين للافتخار بثرواتهم المعرفية وتراثهم وتراث غيرهم حيث كانوا يلهثون جريا وراء توظيف النصوص الغائبة لتحقيق جماليات الشعر من جهة وإبراز مقدراتهم العلمية من جهة أخرى ،وأعطي مثالا بسيطا ف”إليوت ” كان يتفاخر بتناصص نصوصه بنصوص رواد الشعر الرمزي الفرنسيين فكانت نصوصه تحبل تناصا بهذه الثروة النصية التي كان يفترض في قارئها المعرفة الموسوعية ،فكان هذا الامتصاص للنصوص ، بمختلف أشكاله من أسباب غنى النص الأدبي حد التخمة ، وارتقائه درجات سلم الإبداع ، إلا أن هذا لم يستسغه العرب أنانية منهم لأنهم كانوا يعتبرون هذا التناص نوعا من السرقات و التي صنفوها من العيوب ، وفي بعض الأحيان كان النقاد يؤاخذون الشاعر على مأخوذه ولو كان عن طريق التداعي و توارد الأفكار وإن فطن بعضهم لضرورة تأثيت الذاكرة بما سبق أو عاصر من إبداعات وكلنا نذكر قصة أبي نواس وأستاذه خلف عندما استأذنه في قول الشعر فطلب منه أن يحفظ كما هائلا من الاشعار ونسيانها وهذا له دلالة كبيرة في ما ناقشناه ، بكل بساطة العرب لم يحبوا هذا التضمين / فقط حتى لا يقروا بشاعرية الآخر !
أما الادباء المحدثون واحتكاكا بالغرب فقد أصبحوا مولوعين بتوظيف التناص بمختلف أنواعه وتقوم نصوصهم على الامتصاص والتناص كما نلاحظ ذلك عند السياب أو أو أدونيس أو درويش ،وهؤلاء نماذج فقط من الذين ساهموا ، في تكوين النص الأدبي العربي الحديث الذي أصبح ينحى منحى بلاغة الغموض والانزياح سواء من خلال ما يتبدى من هذه النصوص التي تكون لحمته وإن استقل ببصمة كاتبه أو من خلال توظيف بعض الكلمات التي تكون حبلى بالدلالات والإشارات إلى نصوص في أزمنة غابرة ، فموت أيوب يستبطن دلالة فقدان الصبر ، وبالتالي ما يترتب عن ذلك من تداعيات قصة أيوب ، وموت العنقاء لن يكون إلا استخفافا من الشاعر درويش برواج الخرافات بين الشعوب العربية سواء كانت سياسية أو اجتماعية ، كما يتجلى ذلك في هذه السطور لفقيد القصيدة العربية محمود درويش :
أيوب مات !
ومضت العنقاء !
وانصرف الصحابة !
هذه بعض شروط حفر لغة اللغة كابتداع في جسد لغة النص باعتباره إبداع ،والقراءة التي لا تفكك ولا تحلل ولا تعيد اكتشاف المستور في النصوص تبقى قراءة ، ناقصة ،لا تفيد النص بشيء لكن هذا يتطلب من الناقد باعتباره قارئا المعرفة العلمية ، والتسلح بالأدوات النقدية الناجعة والفعالة ، لاستكناه مجاهيل النصوص الإبداعية بكل اطمئنان!.

من مواليد 5 يوليو 1959 بوادي، إقليم خريبكة، التحقت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية وتحصلت على شهادة الإجازة في شعبة اللغة العربية وآدابها!، جامعة محمد الخامس بالرباط، بعد حصولي على شهادة البكالوريا في شعبة الآداب العصرية سنة1980. التحقت سنة 1985 بالتدريس، تخصص اللغة العربية وآدابها!، وفي سنة 2007 التحقت بالإدارة التربوية بالرباط، ولا زلت أمارس مهامي بها إلى حدود كتابة هذه السطور!.
أغرمت بالقراءة والكتابة منذ نعومة أظفاري ،فقرأت الرواية والقصة القصيرة والشعر خصوصا الشعر الملتزم ، لكني كنت ميالا لكتابة القصة القصيرة، عزفت عن الكتابة والقراءة لفترة طويلة جدا ، أمام غياب الدعم و التشجيع والتحفيز !
ابتداء من 2014، عدت إلى غمار الكتابة، في مجال الخاطرة والمقالة بمختلف مشاربها، وألوانها، وقد لاحظت أن الشخوص تغلي في ذاكرتي كالحمم التي تبحث عن ثقب للخلاص، وكان فعلا إنتاجي في القصة القصيرة في هذه الفترة القصيرة جدا غزيرا جدا!
دخلت مغامرة النقد في مجال السرد والشعر، أملا في إنصاف الكثير من المبدعين الذين تضيع نصوصهم في أعمدة منتديات العالم الأزرق دون أن ينتبه لهم أحد !.
قمت بنشر إنتاجاتي الأدبية في مختلف المنتديات الأدبية، وفي أغلب المجلات الإلكترونية والورقية في مختلف أنحاء الوطن العربي، لم أبحث يوما عن الشهرة والتميز بقدر ما كان همي الارتقاء باللغة العربية ، التي مع الأسف تسير نحو الهاوية، وأتمنى أن أوفق في هذا المسعى، وكلي إصرار على تحقيق هذا الهدف إن شاء الله !.

السابق
إثارةٌ
التالي
من أين يأتينا الألم؟؟

اترك تعليقاً

*