القصة القصيرة

لـم أقل شيئاً لأبي ..

احتوى الليل بعباءته كل شيء ..؟ وسبحت القرية في ظلام دامس، ليل حالك يذرع الغرفة بخطى ثـقيلة، خوف نادر ينهش صدره .. عيناه تلتقطان دبيب القلق، وهو يراقب خوفاً مدمراً يتسلل كلص عبر شقوق الباب الخشبي ..
دفـس أحمد وجهه في صدر أمه ، اجتاحته سعادة عارمة ، فتخيل أن لبنها سوف يتقطر في فمه كطفل رضيع ، وينسكب في حلقه مذاقاً لذيذاً ..
ــــ كل ثلاثاء يأتي أبي من هناك إلى السوق ، أليس كذلك يا أمّي ..؟
ــــ بلى يا ولدي أحمد ..
ـــ مرت أيام طوال ، ولم يُرسل لنا شيئـاً كعادته ،غداً سأذهب إلى السوق بعد الفترة الصباحية للمدرسة ..
تكوّمت على الحصير من جديد . والوحدة تعتصر قـلبها .. لم تعقب على كلام ولدها لأنها متيقـنة أن الرد سيكون مغتصباً .. أيقظ عدة تساؤلات في ذهنها، كانت تخفيها عنه، منذ أن غادر زوجها القرية للبحث عن العمل ..
سرحت الأم حميدة بفكرها مدة من الزمن ، تثقـب السقف بنظراتها، ضوء قمر رقراق يتسلل عبر شقوق النافـذة .. فتنسكب خيوطه على جنبات البيت .. اهتزّ جسدها، بردت أطرافها ، تحولت روحها إلى أشلاء مُبعثرة ، فعجزت عن البكاء ..
أفكار سوداء تستفزها .. تصوّرات غامضة عكرت عليها صفو نومها، تحدث نفسها في هسهسة ميتة : ” ترى أين أنت ياولد البهلولي ..؟ وماذا حل بك..؟ كيف تغـيب عنا هذه المدة ..؟ هل تزوجت هناك بامرأة أخرى..؟ لا..لا.. ولد البهلولي لا يعملها .. من يدري ..؟ فقد يجمع مالا كثيراً وتزيغ عيناه .. بنات المدينة أفاع يخطفن الرجال من زوجاتهم بسهولة .. لا زلت أتذكر جيداً حين قال لي مرة :
ـــ صاحب المزرعة يثـق فيه ، لأنه خبير بأمور الفلاحة ، فزاد في أجرته..؟ لما جاء في المرة الأخيرة، أحسـست أنه تغير في سلوكه، بدأ ينتقي لغته ويهتم بهندامه .. يحلق وجهه كل صباح ، ويلطم خديه بعطر يدسه في جيبه .. وساوس مدمرة تنهشها بقوة كلما تذكرت كلامه ..
طردت كل الأفكار السيئة من دماغها . استجمعت شتات أفكارها ، وساد صمت قاتل مدّة من الزمن ، تململت في فراشها ، واستدارت نحو ولدها محاولة تمديد الحديث ، قالت :
ـــ والحصة المسائية من المدرسة ..؟ ماذا تقول للمعلم ..؟
ـــ أقول له أي شيء..؟ كنت مريضاً..؟ كنت أتعهد أختي الصغيرة لأنها مريضة ..
فجأة رمى بالغطاء وانتصب قائماً ، بدأ يفكر ملياً ويحك رأسه ، سأقول له : إني ذهبت إلي السوق للقاء أبي .. إننا نحتاج إلى.. وإلى …
ـــ نـمْ الآن ، واقرأ الفاتحة قبل أن تغمض جفنيك ..
داخل الفصل ، كان المعلم يلقي درسه بحرارة ، والأطفال ينغرسون في الطاولات . لم يشارك أحمد في الدرس كعادته .. في بعض الأحيان يختـلس المعلم نظراته الثاقبة إليه فتنكسر عيناه على الطاولة .. فتخيل أن المعلم يقرأ أسراره من الداخل ، ويغوص في أعماقه .. ظن أن الزمن قد توقـف .. والحصة الصباحية للمدرسة قد امتدت أكثر من اللازم ، فصعب عليه أن يساير المعلم في شرحه للدرس .. فـتمنى من أعماق نفسه لو انكمشت عباءة الزمن بسرعة..
ودقت الساعة العاشرة .. عاد أحمد مسرعاً إلى البيت ، من خلف الباب يصرخ بصوت عال :
ـــ أسرعي يا أمّـاه .. ناوليني القفة ..
انطلق أحمد يسابق الريح نحو سوق القرية رغم أنه لم يتجاوز عشر سنوات .. وأشعة الشمس تصفع وجهه ، غبار متآكل ينفرج بصعوبة ، فتنكسر فتحة عينه .. تعثر في كومة تراب ، فغزا داخله شعور بهزيمة ما .. كلاب تتجاوب في نباحها .. صوتها يزيد من دقات قلبه .. مشى وضاعف المشي في توجس .. صدمه ضجيج خانق من بعيد .. سوق مملوء بالناس ، أبواق تصدح بكل قواها ، أغان شعبية مبتذلة تأتي إلى أذنيه بدون نظام ، اختلط عليه الإيقاع .. رياح غربية تُـغـيّب الأنغام الضعيفة ، نغم واحد شعبي يسيطر على الفضاء كله :”كــولو لمّي .. كـــولو لبُويا ..؟”
ـــ ماذا أقول لأمّي إذا لم أجد أبي ..؟ وماذا أقول لأبي إذا وجدته ..؟ لا أعرف ..؟ ولا أدري ما يخبئه الزمان لي ..؟ يحدث نفسه وهو يخطو ويخطو .. سأقول له : إني أحتاج إلى حذاء أفضل من هذا ، مر عام عليه بعدما كان صغيراً ولامعاً، الآن يكسوه الغبار مع شق كبير في جانبه، يحتاج إلى غرز عديدة ، لم يستطع إسكافي الدوار بن حمو إصلاحه ، يدق المسمار فيعوج ، ثم ينتزعه بكماشته ، يتحسس الجلد بـإبهامه .. وأخيراً يفقد الأمل ، فينظر إليّ نظرة إشفاق ، ويرمى بالحذاء المنكوب في وجهي .. سوف أقول له …؟ وأقول ..؟
برهة ، وجد نفسه أمام باب كبير.. فتوهم أن حارس الباب سوف يوقـفه، كأن السوق حكر على الكبار، وعلى الأطفال أن يكونوا مصحوبين بآبائهم .. قال في نفسه : ويلك.. كن رجلا .. أين شجاعتك ..؟
اندسّ مع جماعة إلى السوق في حيطة وحذر، سرح ببصره إلى الأفـق الممتد .. سلط سهام عينيه على رؤوس بشرية وهي تنغـل كالنمل .. لم يدر كيف تجمّعت هذه الخلائق ، ومتى جاءت إلى هنا ..؟ فضاء يئن تحت وطأة الأقدام المكـتظة .. خيام مصفوفة تـلفحها الرياح من كل جانب ، غـبار يتصاعد ميتاً بين الأجسام . يلامس الوجوه دون هسهسة .. سرعان ما يتشتت فوق الرؤوس كلما وجد انفراجاً .. أجراس السقائـين تتناوب في إيقاعاتها ونغماتها . نداءات الباعة تـلعـلع في الأبواق، تصدح بكل قواها معـلنة عن سلعهم المعروضة ، جلبة لا تنقطع تـثـقـب طبلة الأذن ..
وقـف أحمد مشدوهاً إلى طاولة حلوى، شم رائحتها من بعيد ، تلمظ كأنه تذوق شيئاً .. مرّر لسانه على شفـتيه بعنف ، وجد فمه فارغاً من اللعاب ، تمتم وقال:
ـــ ما جئت هنا للفـرجة ، جئت للقاء أبي ..؟
يسأل ويسأل ، يتيه السؤال بين الألسنة .. يموت بين كل الوجوه التي يعرفها .. كل الوجوه بدت تـتـشابه في مخيلته ، وجه أبيه لم يغب عن ذاكرته ، لا يعرف أين يتجه..؟ دروب السوق مغـلقة نهائياً بالأجسام البشرية ، يحدق في كل وجـه يصطدم بـه .. يصنف العمائم والجلابيب حسب ألوانها ، جلباب أبيه لا يخفى عليه ، يدقق في القسمات ، يهم أن يشد بجلباب أحد الرجال ، فما يكاد أن يستديــر الرجل بوجهه حتى يمسك يده ..
في كل مرة يحاول أن يندسّ بين الجموع ، صغر سنه يسمح له بتتبع الفجوات الفارغة ، لكنه يجد صعوبة في التطلع إلي الوجوه لقصر قامته ، سار في كل الاتجـاهات حتى وجد نفسه في جانب السوق شرقـاً حيث قـل الازدحام وتقـلـصت البضائع .. خطرت له فكرة غريـبة وهي أن يتسلق شجرة طويلة عسى أن يمتلك الفضاء كله ، لكنه أبعد هذه الفكرة من رأسه .. فبقي تائهاً بين خواطره ، فـتأكد أن الزمن اغتال لحظة اللقاء بأبيه ..
خفق قلبه خفوق الخيام الشاحبة .. لحظات تقـلصت من زمنه الهارب .. بسرعة طوى قـفته الفارغة بعنف .. واتجه نحو الباب الذي دخل منه كأن مارداً ألقى به خارج السوق لا يلوي على شيء .. عاد وهو يكرر خلسة في نفسه : ما قلت لأبي شيئاً ، فماذا أقول لأمي .. ؟.

قاص من المغرب

السابق
مغدور
التالي
تلك اليد التي تصفع حبا

اترك تعليقاً

*