القصة القصيرة جدا

لكل زمان عنترة…

بقلم : المنجي حسين بنخليفة – تونس –
في المدينة ، حينما تُغمض الشمسُ أعينها، ويدبُّ ذو الرداء الأسود من خلف حمرة الشفق ، تتدثّر حياة نور النهار، وتُبعث من جديد حياة ليل بهيم . في تلك الليلة وجدتني مرميّا بقامتي المنتصبة على رصيف شارع مزدحم ، تتصفحُ العينُ ما تراه .
رجلٌ امتصّ النهارُ رحيق جهده ، رماه بين مخالب الليل، لعلّه يقتنص سُوَيْعات عمل تخفّف عنه ثقل عناء الحياة … امرأةٌ تحمل كيسًا بلستيكيًا يكاد يلامس الأرض من فرط نَصَبِها ، لعلّه بقايا أكل بعض منتفخي المطاعم ، تحمله لحُمْرِ الحَواصِلِ، اصطفّوا في قوائم الجياع قبل الولادة …شرطيٌّ في منتصف الطريق، يحرِّكُ عصاه للمارين، إن وجدتْ سيّارات وإن غابتْ.. يتآكل جسده بتقلّب الفصول، وتبقى منسأته تتقلّب من يد شرط لآخر…
وقفت “تاكسي”، التقمتني بجانب سائق أسود، ضخم الجسم والعضلات ، مجعّد الشعر، غليظ الملامح، عدة قلادات تدلّتْ على صدره العريض ، مع خاتمين و سلسال ذهبي زيّن به معصمه، ثرثار ، لا يكاد يتوقّف عن الكلام ، صوته الرقيق والناعم، لا يتلاءم مع ضخام وغلظة منظره ، قال : اسمي عنترة .
لاحظ ابتسامة خفيفة فرتْ من شفتي خلسة. حاولتُ تغيير الموضوع ، قلت له: في الليل حياة أخرى عكس حياة النهار..
قال: في الليل تسقط الأقنعة ، وتبرز المخالب المخفية في الكلمات الناعمة، و الوجوه المستكينة الملامح. في الليل تسيل أصباغ التقوى المرسومة على بعض الوجوه، فتفرّ إلى عالمها الشيطاني. والليل يُخرج آهات ألام النهار، ودعوات المظلومين… يا صاحبي الطريق ، للّيلِ دستورٌ يخالف دستور النهار…و أنا عنترة سائق التاكسي، أعرف كلّ فصوله. أعرف أحكامه ، وقوانينه .. أعرف بائعات ساعات الليل بأقساط جسد مُسْتَهْلَك، وأعرف المُسْتَهْلِكِين. خَبَرْتُ ترف منتفخي الجيوب من قروش البطون الطاوية…
قلت له : إذًا أنتَ عنترة الليلي ، لا عنترة العبسي.
قال: هههههه، لكل زمان عنترَهُ، لو كان عنترة في زماننا لكان أنا، ولو كنتُ في زمانه لكنتُ هو.

السابق
شيخ
التالي
الشرطي الخائن

اترك تعليقاً

*