القصة القصيرة

لم ينجحْ أحد

بعد سنواتٍ طويلة من دفء السلطة والثروة، وجد النَّسر العجوز نفسه فجأة في العراء، ينتفض من البرد خارج العُشِّ الكبير، عقب خروجه للتقاعد، لم يُطق البقاء في جحيم البيت، قبل مرور الشهر الأول كان قد أشعل عدة حرائق مع الزوجة والأولاد. لم يكن من هؤلاء الذين يسعهم بيتهم، حيث لا كرسي ولا أضواء، لا سيما وقد قضى جُلَّ عمره في خضمّ العمل، لاهثًا وراء المناصب، حريصًا على الترقي، وما كان يرى أهله إلا لمامًا.
قدح زناد فكره الذي كاد يصدأ، باحثًا عن خطة للخروج للنور، وشغل أوقاته قبل أن تفترسه الشيخوخة بأنيابها التي لا ترحم، وتغتاله شجارات البيت التي لا تنتهي، باستثمار عائدات عمله المدَّخرة في البنوك، بالإضافة إلى مكافأة التقاعد الضخمة.
بعد عدة مشاورات مع أصدقائه من الزملاء السابقين، أنشأ (رامي بك) شركة كبرى للأمن والحراسات الخاصة، ساعدته علاقاته التي كونها أثناء الوظيفة السابقة، في استيفاء الموافقات والشروط الرسمية المطلوبة، بثَّ عدة إعلانات وبرامج دعائية جعلت لشركته اسمًا رنانًا، مزورًا قائمة بسابقة أعمال لا يمكن التشكيك في مصداقيتها.
رمى شباكه التي لا تخيب حول أحد (المليارديرات) ليتولى حراسة ممتلكاته العديدة. بعد عدة لقاءات ووساطات، وافق الملياردير على توليه تأمين حفل زواج نجله مطلع الشهر المقبل، وعلق إسناد أية أعمال أخرى إليه على نجاحه في الاختبار الأول.
في الحال شرع في وضع إعلان برّاق بإحدى الصحف الشهيرة، لطلب وظائف أمن بمزايا مغرية ومواصفات محددة، بعد أيام اجتمعت لديه ثلة من الشباب من ذوي العضلات المفتولة. عقد لهم دورة تدريبية مكثفة. ألبسهم زيًّا مناسبًا أضفى عليهم ظلًّا من المهابة، زودهم أسلحة تتناسب مع دور كل منهم. اصطحبهم لمعاينة القاعة المفتوحة للحفل الكبير.
اهتزّت القاعة بمن فيها منذ لحظة وصول الرّاقصة الشهيرة، الوصلة الأولى أنستهم تأخر حضور العروسين، سحرت الأعين وخلبت الألباب، فغدت العقول في وادٍ والأجساد في وادٍ آخر، أفرط بعض الشباب في الشرب، لم يكتفوا بالرقص والتصفيق والهتاف بمفردات قاموس البذاءة، تحركوا زرافاتٍ ووحدانًا، تداعَوا إلى فريستهم التي التهموا لحمها بالأعين فازداد سُعارهم، خيمت سحابة من القلق الأسود على سماء الحفل، رفع الحرس درجة الاستعداد العظمى، وتحلقوا حول الهدف يدفعون عنه الأيدي الآثمة، وإن عجزوا عن قطع الألسنة المتطاولة.
في غمرة الهرج والمرج حضر العريس الثري متأبطًا ذراع عروسه الحسناء، تألقت العروس في مجوهراتها اللامعة وثوب شفاف يزري بثوب الراقصة الفاضح، خطفت الأضواء بفتنتها الطاغية فتحولت الأنظار الجائعة إليها، الأشاوس الذين ذادوا عن حمى الراقصة، لم يُغنوا عن العروسين شيئًا. ازداد غضب رجل الأعمال تأججًا حين اكتشف سرقة حقيبة بها مقتنيات ثمينة، من سيارته الفخمة المكسور زجاجها.
اكتفى (رامي بك) بتمزيق هذه الورقة من مذكراته، وأسقطها من الذاكرة، وحوّل الدَّفة صوب رجل أعمال آخر بعد تسريح الفريق الخاسر، وتكوين فريق جديد يخوض به مباراته القادمة.

السابق
عدل
التالي
بائع أكوام التراب

اترك تعليقاً

*