قراءة في مجموعة قصصية

لوحات للواقع العربي وبعده الفوضوي في مجموعة “خبيصة”

للكاتب أحمد جاسم الحسين


القراءة

ومن الجديد اللافت في مجموعته ‘ خبيصة’ أن قصصاً جاء الحديث فيها على لسان بعض الجمادات من ذلك ما نجده في قصة ‘ انتحار حائط ‘، وقصته ‘ ما باليد حيلة’ التي تحكي فيها الشجرة أزمتها من خلال حوارها مع رئيس إحدى البلديات لدفعه عن قطعها، ولكنه ومن خلال الحوار مع هذه الشجرة يبدو مصراً على قطعها ليستفيد هو من ذلك: ‘ إن تمثاله يمكنني من كتابة الفاتورة التي أريد دون أن يتجرأ احد على التشكيك في التكاليف… يا…’. وللمرأة و معاناتها في مجتمعنا حضور في قصص أديبنا، فقد حضرت المرأة بصور مختلفة في لوحاته القصصية المعروضة في هذه المجموعة، فنرى صورة المرأة التي يجب أن تكون.

حين ننتهي من قراءة آخر قصة من قصص الدكتور أحمد جاسم الحسين التي ضمتها مجموعته الأخيرة الصادرة عن ( دار التكوين) بدمشق 2008 ذات الطبعة الأنيقة المعنونة بـ ‘ خبيصة’ نعود من جديد إلى استعراض عناوين القصص (ق .ق .ج) باحثين عن قصة ‘ خبيصة’ فلا نجدها، ثم نرجع إلى الغلاف متأملين العنوان مرات، ومرات متسائلين هل نسي الدكتور أحمد جاسم الحسين أن يُضمن هذه المجموعة قصة ‘ خبيصة’؟ لكننا سرعان ما نعود من تأملنا لنكتشف أن أديبنا قصد أن يكون العنوان منقطعاً عن قصته تحرراً من قبضة التقليد أولاً، ولأمرٍ يتعلق بمضمون قصصه الذي احتوته هذه المجموعة ثانياً.
يعالج القاص في ‘ خبيصة’ الكثير من القضايا الرئيسية والفرعية، الهامشية الكبيرة منها والصغيرة في هذه الحياة، وإن طغى الهم السياسي على معظم قصص المجموعة لكن ذلك لا يقلل من الشأن الاجتماعي واليومي والهامشي، بل يمتزج كل ذلك في ‘ خبيصة’ تشكل لوحة لواقع لا يعبر عنه إلا عنوان هذه المجموعة الذي سنتوقف عنده محاولين تركيب حروفه ثم تفكيكها.
لقد جاء عنوان المجموعة مقطعاً إلى أحرف ‘ خب يـ صه’ يَشي بالمضمون فقصصه التي بلغت السبعين قصة كل واحدة منها كما هو واضح منقطعة عن الأخرى، وعندما نمعن النظر فيها جميعاً يتبين لنا أنها قصة واحدة هي قصة الحياة ذات الخلطة العجيبة، والغريبة من جهة، ويكاد أن يكون العنوان بتفرده وتميزه ودلالاته قصة قصيرة جداً جداً بحد ذاته من جهة أخرى، فخروجه عن التقليد الأدبي في جعل العنوان لا يحمل اسماً لقصة احتوتها المجموعة يجعل القارئ يتأكد أن القاص عَمد إلى ذلك مع سبق الإصرار ليخرج من سلطة التقليد في ( العنونة) إن صح التعبير، ولعل أديبنا أراد من هذا التفرد أن يقول لنا إنّ عمله كان رواية قصيرة ولكنها مقطعة إلى لوحات قصصية قصيرة جداً. وللأديب الدكتور أحمد جاسم الحسين تجربة طويلة في كتابة القصة القصيرة والقصة القصيرة جداً / قياساً إلى عمره / كما يُعدّ من أوائل الأدباء الشباب الذين كتبوا القصة / ق. ج/ في التسعينيات وهو أول من أفرد لها كتاباً نقدياً صدر سنة / 2000 / عنونه بـ ‘ القصة القصيرة جداً – مقاربة بكر’ .
وكلما قرأنا نتاجاً أدبياً، أو نقدياً له وجدنا فيه الجديد والماتع، ومن ذلك ما نجده في هذه المجموعة، إذ استطاع القاص أن يرسخ في ذهن القارئ من خلال قصصه الكثير من الأفكار، وهدفه في ذلك إما تحريض أو تذكير أو تعليق أو نقد لواقع استحضره لنا بهذه اللوحات القصصية الجميلة.
فمنذ الصفحة الأولى في كتابه نجده لا يضيع كلمة واحدة مجاناً، إذ نراه يستثمر كل كلمة وكل حرف في مفرداته ليعبر عما يحس به. من ذلك ما نلاحظ في مفردات الإهداء القليلة المكثفة لغة وأفكاراً حيث يقول: ‘ بالتأكيد خبيصتهم يطفئها صبرك الذي لانهاية لمداده….إليك’ ( آراء زوجتي سيدة الصمت الجريء).
وقصص أحمد جاسم الحسين في هذه المجموعة لا تتجه هنا اتجاهاً أسلوبياً واحداً فبعضها يتجه به القاص نحو الرمز والبعض الآخر منها تأتي فكرتها مباشرة إلى حد ما، فنلاحظ أنه كان في قسم منها يسمي الأشياء بمسمياتها دون تحرج، وبكل جرأة كقصته ‘ أبرياء جداً’: ‘ فاجأني ابن أخي المغترب حين سألني ( عمو) ماذا تعمل؟ ولما تلعثمت تبرع أولادي بالإجابة: في المخابرات’. وكذلك قصته اللاذعة ‘ جمعية الرفق بالكتاب’ حيث يقول فيها: ‘ صاحبه مترف تكفل بطباعة المجموعتين الشعريتين.. وبسرعة صار عضواً في الجمعية، ومنذ أول تعيينات صار رئيساً لها’. وهي إشارة صريحة ومباشرة إلى شرط الانتساب إلى اتحاد الكتاب العرب ( أن يكون المنتسب قد طبع ونشر كتابين..) ومثلها قصة ‘ كلام جرايد’ و ‘ هششش’ وغيرها.
كما نلاحظ أن بعض قصصه تستحضر بعض الموروث الاجتماعي البائس المعشعش في واقعنا.
ولا تخلو مجموعته من بعض اللوحات التي تشير إلى بعض العادات والتقاليد في مجتمعنا كقصة ‘ يمه’ و ‘ للناس فيما يعشقون مذاهب’، يقول فيها: ‘ همست أمي: ابنة خالتك لا تزال بانتظارك رغم زواجك… في المساء بعد أن ذهب المهنئون دعاني والدي إلى خلوة قال فيها: تعهد لي ألا تدخل السجن إن ثأرت لجد جدك….!!!!!!!’.
لكن الحاضر بقوة في قصصه هو السياسي، والثقافي إلا أن الحضور الأكثر كان للهم السياسي إذ نراه يبدأ المجموعة بقصة ‘ يحدث في حارة القز’ وفيها تحاول دودة القز أن تخرج من شرنقتها لتكون حرة بعد ذلك إلا أن الجميع يحاربها، وفي النهاية تغتال: ‘ مطعونة بخنجر وجدوا دودة القز في اليوم التالي يا..’. ثم يختتم مجموعته بقصة
‘ لا تخف لست أنت’. ويحكي فيها أن مرشحاً قد فاز بأصوات جميع أفراد الشعب إلا واحداً فيبدأ بالبحث عن هذا الشخص الذي لم ينتخبه، وتأتي المفارقة:
‘ فاكتشفوا متأخرين أنه نسي انتخاب نفسه.. يا..’.
ولا يجد الدكتور أحمد جاسم الحسين ضيراً من استثمار قصته ‘ سوبر ماركت أدبية’ للتعبير عن الحرب التي يشنها البعض على جنس ق.ق.ج ريثما يعترفون بها، ويتخلصون من مشاكلها. ولم ينسَ القاص أن ينبه إلى مشكلة طرأت على مجتمعنا المعاصر وهي الهوس الذي يصيب معظم شبابنا بتعلقهم الشديد بالكمبيوتر إذ يشير من خلال قصته ‘ أمتأكد أنه مات’ إلى الانغماس حتى الأذنين بهذه التقنية ( الكمبيوتر) التي تجعل الكثير من شباب مجتمعنا يغيب عن أسرته والعالم الخارجي برمته لفترات طويلة غارقاً في عالم هذا الجهاز، حتى أن أبا أحد هؤلاء الشبان يتوفى ولا يعلم به: جاء في القصة ‘ ولما عزيته بوفاة أبيه.. قال: أمتأكد… يا…’. كما لا تخلو بعض قصصه من محاكاة لبعض قصص التراث القصي كمحاكاته لأسلوب ابن المقفع في كتابه ‘ كليلة و دمنة’ من ذلك قصته ‘ الذئاب تعيد قراءة تاريخها’ ( وقد أهداها الكاتب إلى ابن المقفع) فيها يعقد الذئب صفقة مع الخراف حيث يتفق معهم على أنه أصبح خروفاً مثلهم لا يأكل إلا الخضار ثم لا يلبث أن ينقض هذا الاتفاق الذي جرى بينه وبينهم ليعود ذئباً ناهشاً للحومها متهما إياها بإغرائه: ‘ فأخذ ينهش الخراف في كل الاتجاهات شاتماً رائحتها المغرية التي تستفز تاريخه… يا’، فالذئب يبقى ذئباً في رأي أديبنا، ولن ينسلخ عن تاريخه في القتل، والنهش و كذلك تأتي قصته ‘ المتوهمة’ على لسان دجاجة، ولا ننسى قصته الرمزية الأولى ‘ يحدث في حارة القز’ التي يصف فيها أزمة دودة القز وهي تحاول التحرر.
ومن الجديد اللافت في مجموعته ‘ خبيصة’ أن قصصاً جاء الحديث فيها على لسان بعض الجمادات من ذلك ما نجده في قصة ‘ انتحار حائط ‘، وقصته ‘ ما باليد حيلة’ التي تحكي فيها الشجرة أزمتها من خلال حوارها مع رئيس إحدى البلديات لدفعه عن قطعها، ولكنه ومن خلال الحوار مع هذه الشجرة يبدو مصراً على قطعها ليستفيد هو من ذلك: ‘ إن تمثاله يمكنني من كتابة الفاتورة التي أريد دون أن يتجرأ احد على التشكيك في التكاليف… يا…’. وللمرأة و معاناتها في مجتمعنا حضور في قصص أديبنا، فقد حضرت المرأة بصور مختلفة في لوحاته القصصية المعروضة في هذه المجموعة، فنرى صورة المرأة التي يجب أن تكون.
في قصته ‘ ليتك كنت تكونين معي’ و صورة المرأة المقموعة في ‘ أمية’ وصورة المرأة المخدوعة ‘ من أفضال أبي عبد الله الكبير’، و كذلك نجد صورة المرأة المتخلفة في قصته ‘ يمه يا يماه’ ‘ وللناس فيما يعشقون مذاهب’ وكل تلك القصص جاءت في لغة جميلة بسيطة ابتعد فيها كاتبنا عن الشعرية جاعلاً بينها وبين لغة القص حاجزاً عالياً حتى لا تختلط القصيدة بالقصة أو يختلط الشعر بالنثر. أضف إلى هذه اللغة البسيطة أن لوحاته القصصية اتسمت بسمات كثيرة نذكر منها: الإيجاز – التكثيف – الجرأة – الإدهاش – المفارقة – الرمز – الأنسنة – الغرابة – الغموض ـ السخرية، لتشكل للقارئ في النهاية لوحة متناسقة الألوان متعددة الأساليب معبرة عن كل ما نعانيه، ونكابده في حياتنا الثقافية والاجتماعية والسياسية دون تنظير أو أدلجة، أو وعظ أو إرشاد.
إنها قصة كل واحد منا، وخبيصة(فوضى) هذا المجتمع الذي استطاع د. أحمد جاسم الحسين أن يرسمها لنا بكل أبعادها متوسلاً في ذلك كل ما اتيح له من تقنيات معاصرة في كتابة الـ ( ق.ق.ج) ليوصل ما يريد إيصاله للقارئ وأظنه نجح في ذلك.

السابق
القصة كمادة فكرية
التالي
ثقة الكاتب.. بين النّقد والهجوم

اترك تعليقاً

*