القصة القصيرة جدا

ليتَني ظل

“قِفْ.. قَد بُعثتَ كَاتباً وشَمعاً وليِالٍ مُقدسة”
وأنتَ تسابقُ نفسكَ، بَحثاً عنكَ، عن ظلٍ يُنيرُ عَتمتك، عن طيف يُطفئ عَطشَ اشتياقك
“فلا تَجدهُ
ولا يَجدكَ”
لا. لأنكَ غَيرُ مرئي، بلّ لأنَ دَورك لم يَحن بَعد..
والآن.. مُنتصفُ اللحَظة ، مُنتصفُ زَمانِكَ وخَيالكَ الفُضي، منتصفُ كل شيء.
قَد أُخبرتَ مِن قَبل، أن مَنفاكَ الحَقيقي هو ابتِعادكُ عَنك، عن اللاشيء حَولك،ثمَ أنتَ وحدكَ من خَلقَ ذلكَ البُعد، ووحدكَ من يَفتقدهُ..
_ حَسناً.. كَم تَبعُد الآن؟
_ ما يَكفي لأن تَموت بِهدوءٍ على رصيفٍ فرنسي، تَحتَ أقدامِ المارة المُعطرة بِغيابكَ
_ إذاً.. أنتَ الآن قد عَبرتَ جُبَّ نفسُكَ
_ قَدْ أصبحتُ يوسف، دونَ أيّ قَميص !
_ وهل سَتعثُر عليكَ؟
_ كُتبَ على الأنبياء الضَياعُ دائماً، وأنا نَبيُكم الكاذبُ، ثمَ أنتم من قالَ أن الأنبياء كانوا ضِياعَ، إلى أن هَداهمُ الله.
_ أظنُ أنكَ مازلتَ مُشيّعاً نفسكَ، تَنتظرُ الهداية!!
_ أنا عالق هنا.. أطوفُ، مقيداً بقشرتي الدنيوية، وَلسبب ما أشعرُ أنَ القيدَ يتحرّر، يَطوفُ بيّ، لأقعَ في هاوية مظلمة، أكثر مما تخيلتُ يوماً، حيثُ الفراغ..!
أشعرُ بقوة تزدادُ بوتيرة مختلفة..
نعم. قَد يكونُ استقباليّ العظيم، قَد تكونُ الهِداية..!
رباه. ما أجملَ أنَ تكونَ مُقدساً
أن تُعيد تَمزيقَ التاريخ حَرفاً حَرفاً، أنَ تحذفُ فِصول، وتُضيفُ آخرى، أنَ تَكونَ كلماتُكَ لا نَقدَ لها ..
يَقولون:
_ والآن.. وَقد عُلمتَ الأسماءَ كلها، إلّا أنكَ مازلتَ تَتقلبُ في فَوضاك، يَبدو أنَ قِصتك تتقَمصُ دورَ عَجوز في الخامسة والعشرين من عُمرها، تَعتصرُ حِكايات الليل الطَويل، فَلا تَجد ما تَقرأهُ لمساماتِ جَسدك المُهدم..
ثمَ. هل عَثرتَ عليك؟
_ بلّ ابتعدتُ أكثرَ من ذلك.. ابتعدتُ حَدَ ابتلاع مِلحي، حَد أن أكونَ حراً كما الموتى، حَد غَرقي بِبحر ظِلي، حَد أنَ أغرسَ حُلمي بينَ ضِلعي الزمن، وأقف مُنتَظراً العدم.

السابق
قراءة نقدية في نص “خيانة”
التالي
قراءة نقدية في نص “ليتني ظل”

اترك تعليقاً

*