القصة القصيرة جدا

ليلة َ أمسِ..

تبدّلتِ الأرضُ غيرَ الأرضِ والسماواتُ، وألفيتُني في غرفةٍ من شقّةٍ من عمارةٍ، لا أعرفها.
وتلك التي قتلتها بدم بارد ولسبب مبهم، ثم قمت بجزّها وِفقَ ما اتفق عليه القصّابون، وتواطأتْ عليه أعرافُهم إثرَ كلِّ ذبيحةٍ شرعية، ووضعتُ كلَّ القطع من جسدها متجانسةً والأطراف، في طابقٍ من الثلاجة، ما عدا ما كان من رأسها فانزوى فذا وحيدا وكان من حظ المبرد..
من أي فج عميق أتت تلك الفيحاء تبغي حتفها؟
ولماذا لا يبرحُ مُخيِّلتي ذلك الرأسُ العجيبُ المصفَّفُ شعرُهُ بعنايةٍ فائقةٍ والأقراطُ تتدلى من أُذُنَيْهِ كفاكهة صيفٍ شهيةٍ، ومشهدُ الدماء تبتلعها المواسيرُ؟
ثمّ تكدّرَ بالي وتغيرت إلى الأسوإ أحوالي، وأصبحت في عُرف نفسي مجرما، أحمِلُ أوزاري، متوجسا من أن تتفشّى عند العامة أسراري.
وبعد حين أقدمت على أخرى.. سيدة أيضا لا أعرفها؛ فصحتُ ملأ ضميري الحيّ تخونني حبالي الصوتية “يا وبلتي”! أصرتُ مجرماً جسوراً؛ سفّاحا قتّالاً بالتسلسلِ والتخصص؟
وفي يومٍ حصلَ ما خشيت حدوثه، وناورتُ مليّاُ لأجل إخفائه، حين شاع بين الناس أمري وأذاعتِ الصحف سري وحدَّثَتْ بوحشيتي وهمجيتي وبشاعتي…
فخلصتُ نجيّاً أبتغي رقبتي أتحسسها وحين أشار إليَّ الجمعُ، استفقتُ بغتةً، ولمّا تُذهبِ اليقظةُ غشاوةَ الحُلُُمِ بعدُ.
ولمّا يطمئنَّ بالي ويهدأْ روعي إلا ومساحات الإدراك والوعي تزحف على فلول الوهم وخيالات المنام وتأتي عليها كاملةً.. فحمدتُ الله كثيراً على نجاتي وسلامتي، وتذكّرت أنني لم أكن يوماً مجرماً، ولم أقتل في حياتي عدا ذباباً وبضع حشراتٍ و(نُميْلاتٍ) أيام نزه الصبا السحيقةِ، وكدا ثعباناً حكيما تسلّل يوماً من خربة مجاورة لواذا، ينشد لذغة أو قضمةَ من جسد غض طري يسد به رمقه.
تلك الأحلامُ..
ومنها ما تكرر دوماً، كحبّةِ الخردلِ تلكَ أو أصغرَ، أضعُها فوقَ سبابتي أو أنقضُّ عليها بكلتا راحتيَّ أروم رفعها من أديمِ الأرضِ فلا أقوى..
أي نعم، لا أقوى عليها وهي أحقرُ من أن تُرى بالعين المجردة، تلك الحبة الضئيلةُ، فأشعرُ بالخزي من غَلَبَتِهَا، وأغرَقُ في ندمٍ كالبكاءِ، ولا زلتُ أنَقِّبُ في غَوري عنِ “ابن سيرينَ”.

السابق
اِغْتِصاب
التالي
شعرية الإعجاب…

اترك تعليقاً

*