القصة القصيرة

مآسي وظلم

في ليل عاصف من ليالي الشتاء، وفي بيت متواضع رأت نور الوجود، والقدر الذي ينتظرها إنها واحدة من بين عدة أخوات حشرن في غرفة شبه متهالكة، وعيشتهن على الفقر والحاجة أقرب منه إلى العسر والفاقة، رغم كل هذه الظروف المجتمعة فهن على قناعة تامة وإيمان راسخ بقدرهن وواقعهن، فيساورهن التحدي والإسرار على الخروج من هذه الوضعية المزرية التي جعلتهن يرزحن تحت طائلة المعاناة والمأساة.
لقد تجاوز سنها منتصف العقد الرابع وبدأيدب في كيانها العنوسة وضياع فرص العمر…. لكن التجلد بالصبر يفتح لها الآفاق والأمل، ويزيل عنها بعض المعاناة…
ذات مساء كان الموعد مع القدر وساعة فرج قد حانت وبصيص الأمل اقترب، لقد تقدم من يطلب يدها لتكون له الزوجة الثانية، فسرها ذلك كثيرا -نظرا لتقدم سنها ولعرف متبع- فغمرتها فرحة تكاد لا توصف……..
تمر الأيام في حالة من الاستقرار والاستبشار بحياتها الجديدة، وما زادها أكثر الأمل الذي طل برأسه، وفتح لها ذراعيه، وأجبر لها كسرها وخاطرها بل قل قذف في كيانها روح الحياة من جديد. كأنها ولدت اللحظة، وأبصرت النور يقترب من نهاية نفق الحزن والضعف والاستكانة التي ولدت معها…إنها تشعر بالعز والفخار، لقد جاءها المخاض لتنتظر مولودها الأول ليملأ لها الحياة وتنمو السعادة وتترعرع بين جنباتها لتذوق طعم الحياة كبنات جيلها -حلم يراودها.
تمر الأيام وهي على هذه الحال ويكبر معها الطموح…لكن حدث شيء مفزع لم يكن في الحسبان بل حتى في خيالها يوما ما، لقد تغير كل شيء فتحول رأسا على عقب، بعد أن رزقت بمولود ذكر وهي أمنية كانت تراودها طول حياتها السابقة، لقد أفسدوا عليها حلمها، وأرادوا كسر معنوياتها وإذلالها والتدخل في كل صغيرة وكبيرة في حياتها الخاصة فما بالك بالعامة، وهو ما كدر صفوتها، لأنها تعاطت من تصرفاتهم وما يقومون به في بداياتها بعفوية الطفل الصغير، والاحترام الزائد الذي تكنه لهم،فردوا جميلها وحسن معاشرتها لهم بطعم المرارة وأذاقوها شتى أصناف الإهانات من ظلم واحتقار وازدراء واستهزاء….
أما الزوج فهو شيخ يتخذ من إحدى زاوية الغرفة مكانا له لأنه أصيب ببعض الأمراض التي قللت من حركاته، وهي على علم بذلك ولكنه القدر الذي جلبها إليه فهي التي ترعاه وتقوم بشؤونه، لأن زوجته الأولى أم أبنائه توفيت، والذين أرادوا إكرام والدهم فزوجوها إياه بشرط أن لا تنجب أبناء آخرين…. حتى لا يشاركهم مستقبلا في إرثهم؟…
هذا هو سبب مأساتها وأحزانها الذي يعكر السير الطبيعي لمجريات حياتها، فولد الشقاء الرابض والتعاسة من جديد بعد أن فقدت الأمل في كل شيء، فتحولت حياتها على جحيم لا يطاق منذر بالانهيار العائلي في كل لحظة ولكنها مغلوبة على أمرها، لعدة أسباب… فتتجرع كل أنواع الإهانة وصنوف المذلة من قبلهم والتي لا حد أو نهاية لها إلى أن وصل بهم الأمر إلى تبادل الأدوار في كل شيء ولا يفارقون والدهم المقعد على مدار الساعة لحاجة في أنفسهم لا يريدون إفشائها؟… فيستعملونها كأنها عبد مغلوب فهو تحت رحمة سيده، فهم الآمر والناهي………
ولكنها تواسي آلامها وجراحها مع صغيرها ودائما تسبقها دموعها وهي تحاول أن تخفيه عنه…. حتى لا يتولد مع هذا الصبي ظلمها ومأساتها ومن ثمة نمو الكره لبقية الأسرة لديه.
هكذا هي مسيرة حياتها ظلم وحزن وآسى وهي تندب حضها ومع هذا كله فهي راضية بقدرها عندما تعود بها الذاكرة إلى سالف أيامها فتخفف عليها بعض ما تعانيه… هكذا هي مسيرة حياتها مآسي وظلم.

السابق
إثابة
التالي
التزام

اترك تعليقاً

*