القصة القصيرة جدا

ماورائيات

جدار أم ثلاثة، لا أدري؛ فأنا ضعيف في لغة الأرقام. كل ما أعرفه، ارتطامي بها من كل الجوانب، الناظر إلي ربما لن يراني لشدة التصاقها، وأنا بالكاد أتنقل متعثر الخطى واهن الجسد؛ فأبدو كالميت الحي. تلك الليلة المقيتة التي قضيتها بجوارها في سرير أسود وأغطية حمراء، كانت السبب فيما أنا فيه الآن من حيرة. آه كم أحتاجك يا صديق الطفولة لتنقذ ما تبقى مني. أنت وحدك تفهم لغتي؛ فأنا أكره القيود، حتى تلك التي في سجلات النفوس، والتي هي إثبات على وجودي. ألا تذكر حوارنا الأخير قبل أن نفترق؟ قلت لك : إنني غير موجود، ولم أكن كاذبا؛ فأنا خيال هلامي القوام يتمدد ويتقلص حسب الحالة المحيطة. خذ مثالا على ذلك، البارحة تحت القصف الشديد تقلصت إلى أن صرت بقعة سوداء بحجم رصاصة قد تصيبني في غفلة مني. غدا ربما تهدأ السماء في الفترة الصباحية؛ فأغفو متمددا، وفي غمضة عين تقذفني بأمطارها الغزيرة من خلال شقوق روحي النازفة؛ فأنكمش على نفسي من جديد، وهكذا بين تمدد وتقلص لم يبق مني سوى الصوت دليلا على وجودي. تخيل معي، ماذا يفعل الصراخ بصاحبه؟ يعود به إلى بدائية الإنسان الأول، وأنا لم أر تحولا في سلوكي إلا بعد أن رحلت أنت وفي جعبتك”أنا”. مع أنني هناك، إلا أنني هنا أيضا. بما أنك بارع أكثر مني في الماورائيات أرجوك أن تفسر لي هذه الظاهرة الغريبة. عين هنا وأخرى هناك، قلب هنا وآخر هناك، كجدول القسمة على اثنين.

السابق
على مشارف الانهيار
التالي
خواطر اقحوانة !

اترك تعليقاً

*