قراءات

مبدأ التجاور السببي في نص “خيانة”

للكاتب الزيتوني هلالي

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

لقد عبرت القصة عن شواغل الإنسان منذ القدم؛ لذلك تاقت لها النفوس، واهتمت بها أغلب المجتمعات، ولقد تطورت وسائل علاج القصة بتطوير تقنياتها؛ وطرق معالجتها.
والنص المطروح علينا، نص زاخر، يشرع أبوابه نحو قراءات مختلفة، ويضع لنفسه أكثر من وجهة، ولقد ارتأينا أن ننظر فيه انطلاقا من مبدأ التجاور العلي.
والتجاور العلي يعني أن الأحداث مترابطة فيما بينها ترابطا سببيا، بحيث لا يقع الواحد منها إلا بسبب من الآخر.
والأحداث في القصة تشترط ذلك ولا تقبل مبدأ التجاور دون رابط علي.
وسننطلق في رصد هذا المبدأ من خلال نظام اللحظات السردية في النص.
نعثر في هذا النص على لحظات سردية، يشد وثاقها الوصف شدا متينا.
تنتظم في إطار مشهد واحد/ فرجوي، إذ بدا كمقطع من عمل درامي.
وتتمظهر هذه اللحظات، كما يلي:
_اللحظة الأولى:
وهي لحظة وصفية دقيقة من خلال:
“رنين الهاتف” الذي كسر الصمت المخيم
“الأصابع المرتعشة، نقرات بالقلم؛ العصبية…”
فنلحظ هذا التجاور السببي بين الظاهر والباطن.
_ الباطن ____ ثائر
_ الظاهر ____ ساكن

وقد أتقن الكاتب صناعة هذا التجاور السببي بين الظاهر والباطن، بيد أنه أسقط هذا التجاور العلي؛ عندما تدخل لاستبطان الشخصية؛ قائلا:
(وكمن تذكر شيئا)
فهذا التدخل يعد من باب الإسقاط الزائد الذي لا يحتمله النص؛ كما لا يحتاجه القارىء.
وكان بإمكانه المرور إلى اللحظة السردية الثانية بسلاسة، ودون الإخلال بهذا التجاور الذي أشرنا إليه.
_ اللحظة الثانية:
نلحظ قدرة فائقة للكاتب على رصد حركات الشخصية:
(فتح/ أخرج /أمعن / مرر…)
تسلسل وترتيب خطي؛ يخفي جملة من المواقف، تتجلى
عندما نتقدم في النص:
(ثم توقف وغطى وجه السيدة)
(ظل يحملق في الفتاة)
هذا التجاور بين موقفين متناقضين: (عزوف عن السيدة/ حب دفين للفتاة،) كان قادرا على صناعة الخاتمة المباغتة التي أرادها صاحب النص؛ من خلال مواقفه الفكرية حول الموضوع المطروح.
أما القسم الأخير فكان مقطعا تفسيريا؛ وهو ما تأباه القصة القصيرة؛ لأنه بذلك يتجاوز لحظة الكشف؛ وقد سماها الكاتب الإيرلندي جيمس جويس ب”الإشراقات” أو ” الكشوف”.

إن الكاتب الزيتوني هلالي، استطاع أن يتناول موضوعه على أساس موقف آمن به، وحاول تمريره، مستعملا تقنية تفجير طاقات الموقف الواحد بالتركيز على بواطن الشخصية.
فالذي يلج عالم هذه القصة، يتاح له أن ينظر من مختلف الزوايان فهو نص مفتوح؛ بعيد عن التعتيم والإبهام. .
وختاما:
نقول على لسان الناقد وكاتب القصة الإيرلندي فرانك أوكسفورد في كتابه” الصوت المنفرد” متحدثا عن خصائص القصة القصيرة:
“ليست القصة القصيرة، قصيرة لأنها صغيرة الحجم؛ وإنما هي كذلك لأنها عولجت علاجا خاصا…”
والكاتب المبدع صاحب النص، الزيتوني هلالي؛ ينتج في دائرة القصة، وله قدرات فائقة على التقاط بواطن الشخصية القصصية؛ وهو مدعو إلى مزيد الدقة في التقاط خصائص القصة القصيرة، كالتكثيف والايحاء والاختزال….

شكرا للقائمين على هذا الصرح الثقافي الكبير الذي نرجو ألا يتوقف أبدا، وهو مجموعة المختار بقيادة الناقد المبدع والأخ الفاضل الدكتور مختار أمين والأخت الفاضلة الشاعرة المتفردة سعاد العتابي.
شكرا لصاحب النص الأستاذ زيتوني هلالي عل مواقفه الفكرية والإنسانية.
شكرا لكل السادة والسيدات.
مع تحياتي وتقديري.

السابق
قراءة نقدية في نص “خيانة”
التالي
تحت الأغطية

اترك تعليقاً

*