القصة القصيرة جدا

متاهة

شهقة الولادة التي أطلقتها كانت مدوية، هذا ما قالته أمي، لدرجة أن من كانوا حولها وضعوا في آذانهم سدادات من الفلين كانوا قد أحضروها معهم تحسبا لهذا الأمر. ملأ صراخي كل المعمورة، يبدو أن صفعة الطبيب على قفاي كانت موجعة، وانتقاما منه لم أتوقف عن الصراخ. كبرت وما زلت أصرخ إلى الآن من صفعات أخرى. ازدهرت تجارة الفلين بسببي، وجارنا الفقير المعدم أصبح مليارديرا. لكن المضحك في الأمر هو منظر الناس بهذه السدادات البارزة من كل طرف، حتى أن النساء كن يعلقن عليها مفاتيح البيت فتبدو كالأقراط، وفي حال حدوث خلاف بين اثنين، كان أحدهما ينتزع السدادة في غفلة منه فلا يسمع سوى صراخي الهادر كأزيز الرصاص. تراه يركض من شارع إلى ٱخر، وكأن به مس من الجنون، يقرع الأبواب، ويتسول سدادة ليخرس بها صوتي المقيت.
لم أكن أعلم أنني بهذه الأهمية والشهرة؛ فصوتي يرن في كل أذن، واسمي يتردد في كل المجالس. سمعت مرة أحدهم يقول:” ماذا سيحدث لنا عند موته؟” لا بد أننا سنستغني عن أكسسواراتنا؛ فلن نعود بحاجة لها”.
أصبحت شغلهم الشاغل، في صلواتهم يتعجلون موتي، في أحلامهم يرونني جثة هامدة مسجاة على بحر من الفلين.
تحقق حلمهم أخيرا؛ فقد كنت أحتضر.اجتمع المقربون بعد أن أعلموا الجميع. يوم مر تلاه آخر وما زلت على قيد الحياة. بدأت شهقة الموت تصعد شيئا فشيئا، دوت كقصف المدافع، فجأة انفلتت السدادات من عقالها، وبدأت معركة حقيقية بينها، أسفرت عن موت الجميع في آخر شهقة لي.

السابق
المسبح
التالي
نسناس

اترك تعليقاً

*