القصة القصيرة

متلازمة مارلين

وضعت قدمها البيضاء في حذائها الأحمر ذو الكعب العالي والوقع الخارق لأسماع المتتبعين والمزلزل لعيون المارين، أحكمت تضييق جيبتها السوداء ومن فوقها قميص فضي حريري لامع، بينما تركت شعرها الكستنائي بصبغته الأخيرة ليعبر عن شخصيتها المنطلقة وهدفها المحدد، سارت في الشارع تترقب ردود الأفعال، لم يخب ظنها وهي ترى نظرات التمني وتسمع كلمات الإعجاب وتبتسم للوقح منها، هزمت ترددها بالضربة القاضية حين وصلت إلى الشقة التي ينتظرها فيها، كان الباب مفتوحا جزئيا حسب اتفاق مسبق، دخلت وأغلقته بصوت عال ثم أحكمته جيدا، تجولت بعينيها في أرجاء الشقة الصغيرة المتوسطة، واصلت سيرها بهدوء حتى جلست على مقعد قريب من الباب ووضعت قدما على قدم فظهرت أجزاء من قدمها أسفل ركبتها بقليل، أخذت تدندن في أغنية قديمة:
أريد أن أكون محبوبة بك وحدك
أريد أن يتم تقبيلي منك وحدك
لا يمكن أن أتمنى
أي أحد غيرك
وسأحقق كل رغباتي
بوجودي عندك…
– وأنا هنا يا حبيبتي لأحقق لك كل رغباتك الثائرة.
رفعت رأسها ونظرت في اتجاه الصوت القادم من اتجاه الغرفة الداخلية، ضخم الجثة، قمحي اللون، مشعر الصدر العاري، حافي القدمين، يرتدي فقط ملابسه الداخليه، نظرت في عينيه مبتسمة، كانت الرغبة تقفز منهما لتلتهم ما ظهر من جسدها الفائر، اقترب منها حتى لامسها ، حاول تقبيلها فابتعدت عنه، ركض خلفها حتى احتضنها، تخلصت منه بصعوبة فلاحقها من جديد، ضربته مباشرة بين قدميه، صرخ من الألم وتحول وجهه إلى اللون الأحمر القاني، أخذ يضرب على الأرض بعنف وهو يلعنها بكل الشتائم المعروفة وغير المعروفة وختمها واصفا إياها بالعاهرة.
لم تتوقف عن الابتسام، دارت حوله ثم ضربته بكل قوتها بحرف حذائها المدبب في مؤخرته فصرخ مرة أخرى بعد أن بدأ في النزف من مكان الضربة، أثارتها الدماء فخلعت قميصها ثم جيبتها ولم تكن ترتدي تحتهما سوى ملابسها الداخلية، أخذت له صورة من كاميرا هاتف أخرجته من حقيبتها قبل أن تتركها، استثير من جديد، لكنه شعر بألم هائل يجتاح مقدمته ومؤخرته، استمرت في إشعاله فخلعت بقية ملابسها حتى أصبحت عارية تماما، لم يتحمل قوة رغباته الجامحة فتحامل على نفسه واقفا وأسرع ناحيتها بعد أن ظن أنها طريقتها في الاستثارة، كان أكثر حذرا وهو يحاول احتضانها، سمحت له أن يلمسها ثم تفلتت منه وعاجلته بضربة أكثر عنفا بين قدميه لم يستطع معها أن ينطق، جحظت عيناه وجثا على ركبتيه، كانت الدماء تنطلق بغزارة منه، ثم عجز تماما عن التحرك.
أخذت تتمايل أمامه بدلال بعد أن التقطت عدة صور متتالية، ثم بحركات راقصة وهي تدندن:
– سأقتلك.. سأنتزع قلبك بيدي
سأطعم لحمك للكلاب
سأوصل روحك للجحيم
ارقص معي
ارقص معي
اقتربت منه مرة أخرى، دارت حوله في نشوة تجتاح كل ذرة من جسدها، ركبت على ظهره، رفعت رأسه، ثم نحرته.
التقطت الصورة الأخيرة وهو غارق في دمائه، وضعت ملابس الإغراء في حقيبتها بعد أن أخرجت ملابس أخرى تماما تغطي بها جسدها ووجهها، انتظرت سدول الليل ثم تحركت بهدوء بعد أن اطمأنت إلى الشارع الهادئ ومدخل العمارة.
أسرعت إلى مول قريب، جلست في جانب هادئ وأخرجت الهاتف، دخلت إلى الفيس بوك وحملت الصور على مواقع الصحف المحلية والعالمية ومعها تعليق واحد:
لقد استمتعت كثيرا.
خرجت بعدها مسرعة وحطمت الهاتف وألقته في صندوق القمامة .
انقلبت الدنيا، صورة وزير الصحة تتصدر الأخبار على مواقع التواصل، وزارة الداخلية تقلب العاصمة بحثا عن الوزير الذي اختفى بعد خروجه من مكتبه بالوزارة، آخر تتبع لهاتفه قبل أن يغلق كان في الحي الذي تتواجد فيه جثته، وجدوه في صباح اليوم التالي بعد أن طرقوا جميع الأبواب، لكنها لم تغلق بابه بإحكام لتسمح بالتوصل إليه.
لم يستطع أحد إنكار ما حدث، خرجت الداخلية لتؤكد أنها عملية اغتيال قام بها تنظيم إرهابي دولي يهدف إلى زعزعة الاستقرار، وهي جرائم تحدث في كل دول العالم.
ضحكت حتى اهتز جسدها كله ثم توقفت ونظرت إلى صورة والدها المعلقة على الحائط وعليها شريط أسود:
– كاذبون، لا جديد في هذا، يدارون عارهم بالكذب، أعتذر لك يا والدي، كان ذلك الحقير الوحيد الذي استجاب لإغراءاتي عندما كشفت عنده في عيادته الخاصة، رغم أن ذلك كلفني كثيرا، لكن لا يهم، سأنتقم لك من كل من أستطيع الوصول إليه، أعلم أنه لم يتسبب مباشرة في موتك حسرة وقهرا على طردك من عملك، لكنه جزء من المنظومة الفاسدة، عندي موعد غدا مع من تسبب في موتك، أرجو أن أنهي كل شيئ لترتاح في قبرك ولأكمل أنا حياتي.
أكملت استعداداتها بشحذ آخر سكين في المجموعة الصغيرة التي أعدتها خصيصا لهذا اليوم، ارتدت ملابس عادية وذهبت إلى مكتب رئيس والدها في عمله الأخير، رحب بها وسألها عن احتياجاتها، اقتربت منه وهمست في أذنه وهي تتدلل:
– ما رأيك في جسدي؟
تعجب الرجل تماما من سؤالها وحركاتها ثم طلب منها أن تجلس في مكانها وتشرح له ما تريد وإلا تخرج من فورها.
لم ينتبه لها وهي تخرج صاعقا كهربيا من حقيبتها وتوجهه إلى عنقه.
انهار الرجل على الفور، ظلت تسلط الصاعق عليه حتى غاب عن الوعي، أسرعت بإحكام وثاقه على مقعده، ثم أغرقته بمواد سريعة الإشتعال، استعاد وعيه بصعوبة بالغة، أخذ يرجوها أن تفك وثاقه وسيلبي لها كل طلباتها.
– وكيف ستعيد والدي الذي قتلته إلى الحياة أيها المتذاكي؟
– والدك مات؟! متى؟
– أنت كاذب مثلهم، ماذا أنتظر من شخص مثلك، تمارس حقدك الأسود على الجميع وتتفنن في تعذيب مرؤوسيك.
دخل عندها مدير مكتبه فأفزعه المشهد، تقف الفتاة على رأس المدير الموثق وفي يدها الصاعق، لم يفهم ما يحدث لكنه أسرع خارجا.
جلست على المقعد المقابل له بعد أن فضل الصمت التام خشية إغضابها، هدأت هي قليلا ثم قامت لتستكمل خطتها قبل حضور أحد آخر.
أذهلها تماما نداء باسمها من صوت تعرفه جيدا، التفتت في رعب وهي ترتعد:
– هل أنت شبح؟ هل أحضروك من العالم الآخر؟ هل يعود الموتى؟
– مالذي يحدث يا ابنتي؟ أنا والدك، لم أمت كما ترين.
– لا؟ لا يمكن؟ لقد دفنتك بيدي بعد أن أهملوا علاجك في المستشفى؟ وهذا الرجل؟ ألم يكن سببا في إصابتك بأزمة قلبية حادة؟ هل جاءت روحك لتسامحهم؟
– أنا لم أمت يا ابنتي، أرجوكِ، تعالي إلى أحضاني وسنجد حلا معا.
– ابتعد عني، أنت شخص غريب، والدي الذي أحبه مات العام الماضي.
– يا ابنتي التي ماتت العام الماضي كانت والدتك.
تراجعت خطوتين للخلف، وضعت يدها على رأسها غير مصدقة، حاول الواقفون خلف والدها الوصول للمدير، نظرت لهم بغضب، ارتعد جسدها من جديد، صرخت:
– والدتي لم تمت، إنها تنتظرني في المنزل بعد أن أنهي مهمتي، لو كان والدي موجودا لنقلها للمستشفى سريعا بعد أن سقطت، لو لم يأمره المدير بالسهر في تلك الليلة لأنقذها، وحتى عندما أخذتها الإسعاف التي جاءت متأخرة لم تجد من يسعفها سريعا ، تركوها في الطوارئ كأنها لا قيمة لها…….. لا لا، الذي مات هو والدي، أمي وعدتني أنها لن تتركني أبدا..
أشعلت عود الثقاب وألقته على المدير فالتهمت النار جسده ومكتبه على الفور، ابتعد الجميع وسط صراخ وعويل وفزع، بينما أسرع والدها إلى الداخل لإنقاذها، وجدها وسط النار المشتعلة تلوح له وهي تضحك في فرح:
– أمي تسلم عليك.

السابق
الرهان
التالي
تكتيكٌ

اترك تعليقاً

*