القصة القصيرة جدا

مجرد حلم

الخياط الذي أخذ قياساتي بجهد، نسيت أن أترك له قطعة القماش، ابتعدت ولم يعد بإمكاني الرجوع إليه، في صباح غد عرجت عليه قبل أن أذهب إلى عملي، لم يفتح محله بعد، انتظرته ساعة كاملة لكنه لم يفتح “على غير عادته” يقول الخياط النحيف الذي يقابله. عدت إليه متعبا في المساء، حاملا في يدي المتعرقة كيسين؛ أبيض به القماش وأسود به ثلاثة سندويتشات، محل الخياط مازال مغلقا و حتى جاره أغلق أيضا. شيء ما منعني من المغادرة، بقيت أمام محله واقفا وذهني خال تماما من أي فكرة. في آخر الشارع يقف ثلاثة أشخاص مسندين ظهورهم إلى حائط بناية قديمة، قصدتهم لأستفسر عن الأمر ودون أن أسأل تحدثوا جميعا بصوت مسرحي واحد ” لقد مات الخياط الذي تبحث عنه” حاولت إخفاء دهشتي وسألتهم “هناك خيّاطان في هذا الشارع، من الذي توفي منهما رجاءً” أجابني أحدهم على الفور وكان ضخما للغاية، وبنبرة الصوت ذاتها “الذي أخذ قياساتك ها ها ها” كنت مشغولا بحركة شاربه الكثيف الذي غطى شفتيه بالكامل، فادعيت أني لم أسمعه، أجاب الثاني نيابة عنه وكان قصيرا لدرجة أنه استعان بأطراف أصابع قدميه لكي يهمس في أذني، “مات الخياط بسبب قياساتك” كانا ينظران إلي بخبث واضح، أما الثالث فمشغول بخاتمه الثقيل يديره في إصبعه يمنة ويسرة وقد بدا متأنقا للغاية، لما طال صمتهم شممت رائحة سوء يطبخ لي، لكني لم استطع الانصراف قبل تذوقه، ابتسمت بخوف ثم حاولت أن أتحدث أو أستفسر لكني لم أجد شيئا في رأسي غير قول “فليرحمه الله وليرحمنا جميعا”، لم يعلق أحد، لم يقولوا حتى آمين. في هذه الأثناء حدث عراك بين قطط في الجوار، حط عصفور فوق سلك غسيل ثم طار، تدفق ماء قذر من أحد المزاريب وسال بهدوء حتى نزل في مجرور قريب، أطلت عجوز منزعجة من أحد الأبواب ثم أعادت غلقه بإحكام، سمعت عدة أقفال تغلق على امتداد الشارع بصوت تصاعدي، أفقت مفزوعا أحاول الهروب فلم تطاوعني قدماي الثخينتين، صرخت فلم يخرج مني أي صوت، أحسست بكرة معدنية ثقيلة تنزلق في كتل الشحم داخلي، ثم كأن الرجل المتأنق يخرجها مني برشاقة ساحر، لما أدار يده للأعلى في حركة استعراضية لمع خاتمه بشدة، وضع كف يده الأخرى فوق كتفي وقرب وجهه مني حتى تلاشت ملامحه، ثم قال بهدوء “نحن نعرف عنك كل شيء” ووضع كرة معدنية في جيبي، وحين استدار عائدا أضاف بحروف متقطعة “ك ل ش ي ء”، أما الضخم فعقّب ” نعرف حتى عدد السندويتشات التي معك” وأشار إلى الكيس الأسود، فسألته بسذاجة “حسنا كم عددها ؟” بحركة من رأسه أشار للقصير الذي رفع كفه عاليا محركا ثلاثة أصابع في الهواء، كان لا بد وأن استغل انطلاق لساني ولو بطرح أسئلة صبيانية فسألتهم “وماذا يوجد في الكيس الآخر؟” حينها تقدم الضخم نحوي بخطوتين سريعتين، نزع من يدي الكيس الأسود ورماه للقصير الذي نطّ ليمسكه، ثم أدخل ذراعه بالكامل في الكيس الآخر، حرك يده كمن يحاول إمساك سمكة في حوض، في النهاية أخرج قطعة القماش فبانت أكبر حجما مما اعتقدت، قربها من وجهي وتحدث بفحيح حار “إنها أداة جريمتك” ثم لفّني بها حتى اختنقت.
أ

السابق
مسائل
التالي
فراش الحُب يا أخر…

اترك تعليقاً

*