القصة القصيرة

مجنونتي و أنا

قررت ألا نجلس ولا أن ، على متن القطار ، بين مدينتي مكناس وفاس نقف..قررت أن نتجول وسط القطار..ما كان لي أن أعارضها..تواعدنا لحظة التقينا صدفة بضيعة مارك على ألا نقول “لا “مهما كان الطلب.. تواعدنا على ألا نجلس بمقهى أبدا حتى لا نضجر من النظر لأنفسنا في عيون بعضنا ، تواعدنا أيضا على أن نصادق باسكال في تعريفه للجنون ، و أن نترك بعضنا عند أول دمعة تغادر عيون أحدنا .

قبل أن نلتقي كانت دموعها قد جفت و كذلك أنا.. رصاصة جهاد قتلت بلسان يشبه ما تتراقص به الألسن خلف أبواب ٌأب، شقيقها ببلاد الشام دُور الهوى ، و أم تبكي شقاء حب ، شقاء سنوات …
لم أشفق لحالها ،ليست أسوء مني..جفت دموعي أيضا أثر خيانة و أثر . كرم من أجلها ُ سكين اخترق ظهر من ن تحرك القطار ، أمسكت يدي و تحركنا نحو مقدمة القطار ،كانت تضحك عاليا غير مبالية بالركاب الذين ينظرون إلينا ، بعضهم باستغراب ، بعضهم يبتسم في وجوهنا ،و آخرون ينظرون إلينا بانزعاج شديد
– عزيزتي ، يبدو أننا نزعج الركاب
– لا أهتم صديقي ..دعنا لا نعر اهتماما لنظرات الناس ، دعنا نفعل ما نريد وفقط
كان الطقس باردا جدا ،ورياح قوية يصلنا أثرها عبر أبواب القطار المفتوح بعضها ،اقترحت عليها أن نحتمي قليلا بالغرفة المخصصة للمدخنين والتي لا تحوي شيئا غير مرآة مكسرة الجانب و كرسي خشبي خط عليه أحدهم رسما لقلب بقلم حبر أسود ..
ها أيضا فرصة لتعديل “مكياجها ” وغطاء َوجدت، وافقت دون تفكير رأسها..عندما هممنا بالمغادرة صادفنا أحد الركاب عند الباب ، شاب في بداية الثلاثين ،كانت نظراته توحي أنه فهم سيئا لم أفكر فيه و ربما لم تفكر فيه صديقتي..رمقنا بمقت ،ربما سبنا في خاطره بكلمات نابية :
– تفكير المغاربة متسخ
هكذا علقت هي على نظراته ،اخترت أنا الصمت ولا أدري لم اخترت الصمت . عند السادسة والنصف دخل القطار محطة فاس .
– عبدو ،أنا أبدا لا أستطيع أن أعيش بقية حياتي معك
– تبا لك.. لماذا ؟
– عندما أكون برفقتك يمر الوقت مسرعا جدا وبطريقة لا أفهمها حتى أني لا أحس به ، وأنا لا أريد لحياتي أن تنتهي بسرعة .
– أن نعيش دقائق قليلة مع شخص مجنون خير من سنوات طويلة رفقة أشخاص عقلاء يرون الأسود أسودا و الأبيض أبيضا .

– يكفي فلسفة لا أريد أن أعيش رفقتك يعني لا أريد ..بصدق أخاف أن أموت مبكرا
نضحك عاليا ..
– عانقني أيها المجنون

عانقتها بصدق و برغبة في أن يدوم هذا العناق..لم يقاطعنا إلا صوت غريب من خلفي :
– عفوا أخي ،هل هذا هو القطار القادم من مراكش ؟
لم أكن أعتقد أن هذه آخر مرة أعانقها ،آخر مرة أراها ، آخر مرة أمارس جنوني رفقتها ..رحلت دون سبب أو ربما لسبب تافه..
ذات ليلة اخترت أن أضاعف مستوى الجنون فتظاهرت بالانزعاج و كوني متضايق جدا منها .. بالغد وجدتها قد حذفتني من حياتها الافتراضية فحذفتها من واقعي..
أكانت تقدس وعدنا بالجنون لذلك عند أول لحظة عاقلة رحلت ؟ لم تكن لحظة عاقلة..كان جنونا لم تستوعبه .. وكأنها ليست من قصدت المدينة العتيقة و إياها زوال جمعة فاستقبلتنا الجدران والأبواب الموصدة و تجار الحشيش ، وكأنها ليست من نظرت لساعتي فسقطت من معصمي في الحين ومكان سقوطها عثرنا على عشرة دراهم ،كانت ثمنا لساندويتش ” المعقودة “الذي اعتدنا تناوله كل أسبوع بـ “السيرنوس “، و كأنها ليست من مشت على يميني لخمس ساعات . ربما اختارت الرحيل هربا من حياة قد لا تحسها رفقتي ..
صرت أنتظرها بمكاننا كل يوم تقريبا ،أستمع لأغنيتنا و أحضن نفسي لكني أحيانا أحضن خيالها …
دارت الأيام دورتها ، شهر أو شهرين ..عادت .

بدت حزينة وصامتة لدقائق عشر..لا نصمت ،لا نحزن فقد أعلنت تلك الرصاصة نهاية شقائها ،وأعلن زواج تلك الأنانية نهاية شقائي .. وكأن رائحة الطين بعثت إلى مخيلتها مشهدا من الماضي ،أو لعله المطر..
– ما بك صديقتي ؟
– أتأمل المطر فقط
– أتذكرت شيئا أحزنك..؟
– بعض الأمكنة تشبه أخرى..وبعض الأزمنة تشبه أخرى..وكأن هذه اللحظة مرت بحياتي من قبل ،وكأني أعيشها لمرة ثانية .
– أكانت لحظة حزينة ؟
– لا أدري..ما أدريه أني سأمر من هنا مرة أخرى ،في زمن آخر ، و سأبتسم لأني سأتذكر لحظتنا هاته
– لن تكون هناك لحظة دوني..ولن يكون هناك زمن دوني..سنبتسم معا ولن نبكي معا
ثم ركضنا كطفلين ،و رقصنا تحت المطر كمجنونين..لا أتذكر المقطوعة لكني أتذكر بسمة ذاك “المتسول “وهو يراقبنا ،ملأ الشغف عينيه..لا قسوة المطر ولا قسوة الأرض التي يتخذها فراشا ،ولا قسوة الجوع تمكنت من أن تخفي ابتسامته..و كأنه تذكر لحظة ما مرت بحياته قبل أن يعانقه البؤس .
عادت بعدما توقف ذاك القطار ذاك المساء لحظة اصطدامه بسوء فهم ..رحلت مساء أربعاء و عادت مساء إثنين..ما كانت لي قدرة على البعد لكن يحدث أن يهزمني كبريائي فأغلق الباب خلف الراحلات بعدما أطبع قبلة الوداع فوق خدودهن أو أيديهن..كان رحيلها مختلفا وكان تواجدها مختلفا ،و كانت عودتها مختلفة ، أحبها كونها مختلفة لدرجة التفاهة .. وبديهية حد التفاهة ..وصريحة حد التفاهة
– لماذا رحلت ؟
– خفت أن أشو ه صورتي بداخلك
– ولماذا عدت ؟
– نصك ذاك هزمني

– أتعلمين أنك صرت تسكنين كل الأمكنة التي مررنا بها معا..أمر بها وحيدا فأراك
– أعدك ..لن أرحل مرة أخرى

– ألا تدرين أنها وعدتني ألا ترحل ،وأقسمت ألا ترحل ثم رحلت للأبد ومن أجل آخر
– لست مثلها، لن أرحل إلا إذا صرت مملا ..عانقني واصمت
لم أعانقها هذه المرة بنفس الحماس ، وجدتني أتحسس جزئيات جسدها كما لم أفعل من قبل ، لعله رحيلها كسر جدار البراءة ، أو لعل عودتها شيدت جدار الرغبة …
شيدته

السابق
وصال
التالي
ضب

اترك تعليقاً

*