القصة القصيرة

مشاكسة x هلوسة

مرغماً كنت طرفاً ثالثاً .. في محاولة يائسة .. بائسة .. لتهدئة الموقف ..
وأنا أتقلب كالمحموم علي فراشي .. المشاجرة كانت علي أشدها ..
بدأت بحوار عفوي .. ما لبث أن تطور إلي نقاش حاد.. ثم انقلب الي معركة ضارية .. دارت رحاها بداخلي .. أسفرت عن هروب النوم .. فوقعت أسير الأرق , والفكر.. برهة صمت .. التقطت فيها انفاسي.. والقلب يدق , يصفق يرقص .. يغني .. والعقل ينظر له بازدراء , وغطرسة.. طلبت منه أن يتكلم أولاً .. ويُثبت ليّ صدق ما يقول بالدليل القاطع .. دار حول نفسه .. مرتين , أو ثلاث .. وكله زهواً .. وغرور .. وبصوت الواثق من نفسه تكلم :
ــ ” بكل صراحة هي لا تحبك .. وأكبر دليل علي ذلك .. أنها لم تصرح لك في يوم من الأيام بحبها لك ” …..
قاطعتُهُ .. منفعلاً .. متسائلاً .. مستوضحا منه أكثر ..
ــ ” وبما تفسر ..؟ .. تصرفاتها .. ونظراتها .. وكلامها معي ..؟..
ــ ” هز رأسه .. مبتسماً .. وهرش .. ثم رنا أليّ بمكر.. ودهاء .. وهو يتمتم ــ ” هكذا النساء يا عزيزي .. من طبعهن التصنع أمام الرجال ..”
أخرسني كلامه .. أطرقت حزيناً .. أفكر .. لكن القلب لم يدعني أطيل الصمت .. قفز غاضباً .. وأندفع في تجويف صدري .. لكزني بشدة .. صرخ محتجاً .. وأنا أزفر زفرة حامية طويلة .. رنوت أليه .. وأنا أرتخي ّ علي مقعدي .. وبمرارة الصبار في حلقي .. طلبت منه أن يتكلم .. ويدلي بادلوه .. فراح يصفق .. ويرقص .. ويصفر.. ويغني .. فصرخت في وجهه وأنا أخبئ ابتسامة غاضبة منه
ــ ” كف عن هذا الهراء .. وادخل في الجد .. قل ما عندك .. ودليلك ..”
أهتز مبتهجاً .. جزلاً .. سعيداً .. ثم أبدى يقول ..
” العقل يا عزيزي .. دائما لا يؤمن إلا بالمادة .. والمحسوس هو سيد الأدلة والبراهين لديه.. والحب يا عزيزي شيء معنوي.. وشعور لذيذ .. وإحساس رائع , وجميل .. وعاطفة جياشة صادقة .. موطنها القلب .. ولا تخضع لسلطان العقل ..” …
تدخل العقل .. محتجاً .. رافضاً .. في غضب شديد .. صاح بصوت عالٍ .. ــ ” أنا احتج .. لا تحاول أن تؤثر عليه بهذه الطريقة القذرة .. والأسلوب الرخيص القذر ..” ….
ضربت علي رأسي بيدي .. حتي أسكت صوت العقل .. المنفعل .. الغاضب .. الثائر.. وأمرته مهدداً بأن لا يندفع .. ويقاطع القلب مرة أخرى .. وأومأت للقلب بأن يكمل حديثة .. مراعياً عدم الخروج عن الموضوع .. هز رأسه عدة مرات .. وبابتسامه ماكرة .. خبيثة نظر إليّ .. وأخذ يهمس في أذني .. بصوت ينز دفئاً .. وحنان ..
ــ ” ألا تنظر لعينيها السوداوين .. ألا تسمع حديثها العذب .. الرقيق .. ألم تقرأ في علم النفس .. شيئاً عن الإيحاء .. وتوارد الخواطر .. وتلاقي الأرواح .. وتمازج الطباع .. والطبائع .. والتشاكل .. والمشاكلة .. ان كثيراً من صفاتها , وطباعها .. تشبه صفاتك , وطباعك .. إنها تشبهك إلي حد كبير جداً يا عزيزي ..ألا يكفي كل ذلك دليلاً مقنعاً.. علي انها تحبك “.؟!.
صرخ العقل مرة أخرى .. معترضاً .. ومحتجاً .. بنبرة ساخرة .. متهكمة
ــ ” ههه .. أتريده ان يلغي عقله .. ويسير خلف سراب خادع .. وأوهام كاذبة بدليل مبني علي الظن والتخمين .. وضرباً من الخيال .. ” ؟!
يضحك القلب .. وبنفس النبرة اللاذعة يرد عليه مستنكراً
ــ ” بل انت الذي تريده ان يلغي قلبه .. ويحيي من غير قلب “.. ؟!.
يُخفض العقل صوته , وهو يرد عليه بصوت الناصح الأمين :..
“بل اخاف عليه من الخداع مرة أخري .. فينصدم .. ويعذب .. ويصاب باكتئاب حاد .. والإحباط القاتل .. وعندها .. لا يرحمني ولا يرحمك .”.!
ــ ” بل قل تخاف علي نفسك , فأنت أناني .. ولا تحب الا نفسك .” ..
ــ” بل أنت مريض بالوهم .. دائماً تتخيل اشياء ليس لها في الواقع أدني صحة ”
ــ” بل انت مريض بالهوس والجنون .. ودائماً تفلسف الأمور .. وتمنطقها علي هواك .. وكما يحلو لك .. وعلاوة علي ذلك انت جبان . وبتهرب من الحقيقة ..”
ــ” ايها التعس المخدوع ..انت السبب الرئيس في عذاب هذا الكائن المسكين .. بترهاتك.. وأوهامك .. الكاذبة .. ليتني أستطيع ان أخلصه منك ..”
ــ” ولما لا تكون أنت السبب في تعاسته .. وشقائه .. وعذابه .. ولماذا لا أكون أنا الذي يخلصه منك ..” !
وفي حين غفلة من عيني.. يبسط كل وأحد منهما يده للأخر ليقتله .. اختنقت .. وصاخت روحي .. فصرخت بكل قواي المتهالكة .. وبكل احباط :
ــ” ولماذا لا تكونا سوياً السبب في تعاستي , وشقائي .. وعذابي .. والأجدر بي أن أتخلص أنا منكما بيدي .. حتى استريح منكما مدي الحياة ..”
فصرخا في وجهي .. بصوت واحد متهكمين .. وكأنهما أتفقا عليّ
ــ” ولماذا لا تكون انت السبب أيها الأبله ..” ؟!.
أشتط غيظاً منهما .. نهضت كالمجنون .. أدور في الغرفة الواسعة ..أبحث عن أي شيء يخلصني منهما.. فلم أجد أمامي الا الشرفة.. فتحتها بسرعة .. حتى ألقي بهما في عرض الشارع..أمسكت عقلي اولاً, لوحت به في الهواء فالتزم الصمت.. وهو ينظر إليّ في تحدٍ صارخ ,عجيب وغريب , منتظراً, ما سأفعل به .. بينما القلب .. أنتفض كالعصفور في صدري .. منتحباً .. مستعطفاً.. وهو يتشبث بصدري الذي تحول إلي كير.. ابتسمت في نفسي .. رجعت للوراء ..أغلقت الشرفة .. خاصةً بعدما لفحتني موجة هواء باردة .. احتضنت قلبي بذراعي.. فغضب العقل من فعلتي هذه.. فأمسكته به لأسكته .. وانا اغوص في فراشي .. أطفأت المصباح .. وقبل أن يستأذن الأرق ليرسل النوم .. سمعتهما يضحكان .. بصوت منخفض .. وهما يتذكران ما حدث منذ قليل .. وقد تملكتهما رعشة خفيفة .. تجاهلتهما تماماً.. وابتسمت بسمة خفيفة .. ثم أغمضت عيني .. وتعجبت مما حدث .. وأنا في حيرة من أمري .. أريد أن أتخلص منهما .. وفي نفس الوقت .. لا استطيع أن اعيش بدنهما ………….!!!!.

على السيد محمد حزين، يعمل بالأوقاف المصرية، واسم الشهرة : على حزين، العنوان : ساحل طهطا / سوهاج، عضو في نادي أدب طهطا، نشر في العديد من الجرائد والمجلات الأدبية علي سبيل المثال جريدة الجمهورية والأهرام المسائي وجريدة المساء ومجلة أقلام وغير ذلك ولي ثلاث مجموعات قصصية مطبوعة ” دخان الشتاء ” عن قصر الثقافة ..” وحفيف السنابل ” و” أشياء دائماُ تحدث ” عن فجر اليوم للطباعة والنشر .. وفزت بالمركز الأول مرتين علي التوالي في مسابقات أدبية.

السابق
خيبة
التالي
سوط

اترك تعليقاً

*