القصة القصيرة

مشروب

سرت في جسمي رعشة جعلتني أشعر بقشعريرة ، و بدوران معدتي ، و رغبة في التقيؤ ، بعد أن شاهدت ، في الصباح الباكر ، و الجو بارد، الشاب البدين، فارع الطول يطلب قنينة كوكا كولا ، و يفرغها في جوفه دفعة واحدة و بنفس واحد ؛ لما رأى علامات الامتعاض بادية على وجهي ، و ملامح الاستغراب ترتسم كعلامة تعجب ، قال لي ، ربما تحديا ، و ربما سخرية :
_ هذا فعل لا يقدم عليه سوى الرجال !
قلت في نفسي معقبا بسخرية :
_تبا لرجولة لا تستقيم إلا بالأفعال التافهة..
و تذكرت ذلك اليوم الأغر حيث تم فيه تلبية نداء مقاطعة المنتوجات الغربية ، و منها هذا المشروب اللعين. حينها كان بعض المناضلين و المدعين ، و من كان يمتلك قناعة هشة بفكرة التضامن مع الشعب الفلسطيني ، يشترون خلسة ذلك المشرب ، و يتناولونه خفية ؛ لأن الخجل كان مازال حاضرا ، كما الخوف من النبذ..أما اليوم ، فالوقاحة أعلنت عن نفسها ، و صيرت وجهها مكشوفا ، بل اعتبر التضامن من التفاهات ، و الدعوة له حرمان من متع الحياة ، و نجاحه غير وارد على الإطلاق.
أيقظتني من تفكيري يده القوية تنزل على كتفي بثقلها ، و هو يقول لي :
_سأذهب إلى المقهى ، التحق بي حال عودتك من عملك.
حييته ، و أكملت طريقي و أنا أفكر في هاته القنينة العجيبة التي ، وبسرعة ، صارت عروس الموائد ، لا يمكن لحفل أن يخلو منها ، إنها عماد الولائم ، يقبل عليها الطاعمون بنهم لظنهم أنها تسهل عملية الهضم ، و لسن أدري إن كان ذاك من باب تبرير إقبالهم على الطعام و التهامه التهاما ، فأغلبية الموائد تعود فارغة إلا من بعض الهياكل العظمية لدجاج سيء الحظ ، أوقعه حاله في براثن أسنان حادة و أفكاك فتاكة. يد تبتر و فم يمضغ و الألة شغالة لا تهدأ إلا حين يمسح الصحن مسحا، أم من باب التجرية التي اثبتت فعاليته في هذا المجال.
وصلت المدرسة ، طلبت من التلاميد الجلوس؛ و لكون الدرس اليوم حول الإشهار ، فقد ارتأيت أن يكون موضوع النقاش ، هذا المشروب السحري ، الذي يكاد يزيح من تقاليدنا الشاي ، و يحل محله سيدا مبجلا تخضع له الرقاب.
أول شيء قمت به قبل بدء الدرس ، هو استشارة الشيخ ” غوغول ” عن مشروب ” كوكا ” ، فقدم لي معلومات طيبة ، تقول :
كوكا كولا (بالإنجليزية: Coca-Cola) مشروب مرطب يعرف في أمريكا بالـ”كوك” (بالإنجليزية: Coke). وهو ماء مكربن أي مضاف له غاز ثاني أكسيد الكربون مع محليات (سكر أو أسبرتيم) ومادة أو نكهة الكولا وكافايين ومواد مضافة أخرى. إخترعه جون ستيث بمبرتون (بالإنجليزية: John Stith Pemberton) في عام 1886.
طرحت السؤال التالي :
أكيد أن المشروب معبأ في قناني مختلفة الأحجام و الأشكال و …، نركز على قناني الزجاج ، من يقوم بوصفها ؟
ارتفعت الأصابع بحماس ..
_سائل أسود في قنينة شبيهة بحسناء ذات عنق طويل و صدر نافر ، و خصر نحيف و أرداف.
انفجر الفصل ضاحكا ، لم أعقب إلا بعد أن عاد الصمت ، و خفتت المراهقة.
لم السائل أسود ؟
لأنه يرمز للقوة و الحيوية ..
و لم القنينة بذلك الشكل؟
معظم شاربي هذا السائل و المقبلين عليه يعانون من مشاكل نفسية و جنسية ، و هم بتجرعهم لهذا السائل السحري من فم القنينة مباشرة ، كنوع من التقبيل، يتوهمون استعادة فحولتهم الهاربة ،و لهذا يقومون بإفراغ القوة في داخلهم ، و بمثل هذا التوهم يتبدد الفشل مؤقتا.
تصور ، أستاذي ، أن السائل أسود لأن المعتقد و السائد لدى العديدين ، أن السود يمتلكون طاقة جنسية فظيعة ، لذا فالمشروب اتخذ لونهم لمنح قناعة مؤقتة لدى الشارب بأنه قد تملكها.
أرى أن الشركة تقوم باستغلالهم رمزيا بعد أن استغلتهم ماديا و لعقود.
و ما المطلوب ؟
تجنب شربها ، أو التقليل من ذلك.
لمه ؟
بعد بحث في الأنترنيت ، تبين أن لها مضار كثيرة . * أقلها السمنة و ما تجره من أخطار…
دق الجرس فأوقف متعة الاسترسال في الحوار ، فطلبت من التلاميذ القيام ببحوث معمقة حول الموضوع. و انصرفت.
بلغت المقهى فبدا لي الشاب السمين منكبا على لعب الورق ، غارقا فيه ، هو الشاب الذي كان ممتلئا حماسا و اجتهادا ، بمجرد حصوله على الإجازة سقط في الخمول.
كان قد شرب بعض قناني المشروب الأسود ،عرفت ذلك من القناني الفارغة كعقله .
أديت الثمن ، و سحبته ورائي. إنه عاري ، و ورقتي الخاسرة في هاته الحياة.

*

2- يحتوي هذا المشروب على نسبة مرتفعة جداً من السكر ( قارورة 33 صل من الكوكا تحتوي على 35 غرام من السكر أي ما يعادل 7 قطع من السكر ) وهو ما قد ينعكس سلباً على صحة الانسان ويسبب امراض السمنة و التسوس او النخر.

3ـ تحتوي كل المشروبات الغازية على الحامض الفسفوري. وبصفة خاصة نجده بصفة مرتفعة في الكوكا كولا اذ توفر قارورة 33 صل بين 44 و 62 مغ من الحامض الفسفوري. هذا الاخير هو الذي يعطي المشروب طعمه الحمضي ولكنه يمثل خطراً على صحة الانسان ويمكن ان يؤثر على وظائف الكلى.

4ـ نجد ما يقارب عن 33 مغ من الكافيين في قارورة 33 صل من الكوكا. واذا ما تجاوزت نسبة الكافيين اليومي المستهلك 200 مع ( خصوصاً مع شرب القهوة ) فإن الانعكاسات على الصحة تصبح خطيرة.

5ـ الكاراميل المستعمل لتلوين هذا المشروب الغازي يسبب مرض السرطان عفانا و عفاكم الله. هذا الاستنتاج نشره مركز العلوم للمصلحة العامة حيث اثبت ان مستحضرين كيميائيين ( 2 مي – 4 مي ) موجودين في الكاراميل يسببان مرض السرطان.

6ـ انتاج لتر واحد من الكوكا كولا يتطلب 2,5 لتر من الماء وهو ما يتطلب امكانيات كبيرة لتوفير كميات هائلة من المياه قد تحتاجها البشرية في امور اهم من انتاج المياه الغازية.

7ـ يؤثر استهلاك كميات كبيرة من الكوكا كولا على الكبد والبنكرياس ونمو العظام.

8ـ على عكس ما يظنه الجميع فإن المشروبات الغازية لا تساعد في عملية الهضم بل تؤثر سلباً على ذلك

9ـ تحاول الشركة المنتجة اخفاء كل الاخطار التي يسببها منتجها وذلك بالقيام بحركات تضامنية لكسب الرأي العام. فعلى سبيل المثال تقوم شركة كوكا كولا بتقديم المياه الغازية مجاناً للكثير من الدول الافريقية مقابل استغلال مياهها.

ـ التخلي نهائياً عن مشروب كوكا كولا.

السابق
أماني
التالي
أخاف أن يشهد ظلي ضدي .. ؟

اترك تعليقاً

*