القصة القصيرة

مصير

رأيت في ما يرى النائم ، أن أبي :
صفق الباب خلفه بقوة ، فاهتزت للصوت الشديد أركان البيت ، و أركان صدري ، بدأ جسمي يرتجف بشدة ، و
قلبي كأنه في مهب الريح ، استويت في جلستي ، و بقيت أنتظر ، ترقبي شبيه بالباحث عن طريدة ، لقد علم أبي بأمر غيابي عن المدرسة ، بل انقطاعي عنها ، الساعة ساعة حساب.
وقف قبالتي و قد غطى حضوره منافذ الضوء ، كان طويلا و عريضا ، أو هكذا كان يظهر لي ، نزع حزام سرواله ، ثم هوى علي كمن يهوي على كومة صوف يريد نفض الغبار عنها ..سرت اللسعات في جسمي سريان الدواء الزكام ، كنت أتألم متضرعا ، اعترضت أمي ضرباته ، فأزاحها بقبضة يده ، لكن إصرارها أبعده :
_ ماذا فعل ليستحق كل هذا الضرب ؟
_الحرامي ، حمل كناش السلف ، و ذهب به إلى البقال ليشتري قنينة جافيل ؟
_ ماذا قلت ؟ قالتها بصوت يحمل الكثير من الاستغراب.
رد أبي سريعا و بغضب :
_ما سمعتيه يا امرأة الشؤم /
توسلت إلى الله أن يرحمني من هذا العذاب ، و أن يجد لي مخرجا. في لحظة ، و أنا أنظر بعيني الرعب إلى أبي اللاهث من العمل السادي ، رأيت سرواله يسقط لتظهر عورته ، ضحكت ، و استغللت انشغاله برفعه لأتفلت كما الماء من بين شقوق الأصابع..تبعتني لعناته. كنت أفكر في تلك اللحظة في كيفية إخباره هو الشحيح ، أن المدرسة طلبت مني ، ذات رغبة في غرس قيم النظافة ، و إخراج الشعار إلى حيز الفعل ، الانخراط في تنظيف طاولاتنا التي كادت تفقد لونها الأصلي بفعل كتاباتنا المتكررة و خدشنا المستمر. لقد تم تخصيص يوم للنظافة عسانا ننجح في جعل أقسامنا بيئة طيبة لتلقي العلم ، نحن الذين ندخلها نطيفة و نتركها عفنة. كل واحد منا دعي للاتيان بمادة ما أو وسيلة تساعد على إنجاح التظاهرة. و قد تكلفت أو لنقل بشكل أدق ، كلفت بجلب قنينة جافيل المنظف الأكيد.
غير أني لم أتمكن من ذلك لغيابه الطويل في عمله ، و حتى حين يحضر ، يحضر الصمت.
لقد ادعيت أن أبي فلاح ، و الفلاح في ذهن الكثيرين رجل ذو مال. و هذا ليس بالصحيح ، على الأقل ، في ما يتعلق بأبي ، إضافة إلى بخله البين. للخروج من هاته الورطة ، جلبت الكناش ، و كان بإمكاني اختلاس بعض من ماله الموضوع في دولابه غير المقفل.
كان بإمكاني ذلك ، من دون أن يعلم ، و بذا أتجنب غضبه الصاعق ؛ لكني لم أفعل ..بل حملت القنينة إلى المدرسة فرحا بكوني مساهما فعالا.
في الطريق استوقفتني جماعة من الأطفال يريدون إسقاط حبات تين من فوق سور عال ، كانوا يرشقون الشجرة بالحجارة ، و قليلا ما كان يتفوق أحدهم في الحصول على الثمرة اللذيذة ، انخرطت بدوري في الرشق بعد أن وضعت القنينة جانبا ، و بعد تعب ، انحنيت لألتقطها بعد أن فشلت في الحصول على الثمار، لكني المفاجأة أن القنينة اختفت ، كأنها تسربت بين شقوق الأرض ، بحثت بجدية فلم أعثر لها على أثر ؛ قررت لحظتها عدم التوجه
إلى المدرسة خجلا من فراغ ذات اليد ، و هروبا من لسعات الأصدقاء و نظرات المعلمة الموبخة. و تتابعت الأيام فصار أمر التحاقي بالمدرسة من المستحيلات.
نسيت أمر العودة إلى المنزل ، و ما أنسانيها سوى ذاك الحزام الأسود الطويل و المضفور بعناية. سرقتني الحياة ، و سارت بي الدروب مسارات ، و تركت في جسمي ندوبها ، و في
قلبي جراحها ، إلى أن استوى عودي ، فقد كنت أبيت تحت الجسور ، و في الخرابات ، و في الأكواخ ، و بعدها في بيت ذي سقف لكنه بارد. كما أني تقلبت في أشغال كثيرة ، من حمال إلى مساعد خياط ، إلى بائع خضروات بالتقسيط ، إلى بائع فواكه أعرضها فوق عربة ، ثم في محل صار لي بعد ذلك
و عدت إلى المنزل ، بحثا عن والدي ، ها أنا أقف أمام بابه بخشوع ، عبق الماضي اللذيذ يداعب أرنبة أنفي ، يتسرب إلى داخلي، و أنا بانتظار فتح الباب ليطل علي وجه أمي الحبيبة ،سمعت الباب يصفق بقوة ليهزني من جديد ، و ذاكرتي المشروخة ، يحركها بل يرجها رجا ؛ و ليظهر لي جارهم ، الذي أخبرني برحيلهم إلى حومة أخرى منذ فترة طويلة.
بلغتها بشق الأنفس لأجد جارا آخر يخبرني برحيلهم قبل أيام ، لو أتيت باكرا لوجدتهم ، ثم أشار بإصبعه إلى مكان جديد ، سرت وراءه فلم أجد في النهاية سوى مقبرة قبالة مسجد و بينهما طريق أسود طويل و ممتد إلى ما لا نهاية.

السابق
لعــنة الهــــرب
التالي
الفرعون

اترك تعليقاً

*