القصة القصيرة جدا

معتوه ..

ظننت أني الوحيد الذي بقي منهم، في مدينتنا التي ماعرفت الضحك الا مشفوعا بالدمعات، ولا السعادة إلا كاذبة، ولا الفرح إلا مغلفا بالأحزان، مدينتنا العامرة.. كانت عامرة، كانت لها سبعة أبواب، ..”الفتوح والنصر” أحب أبوابها لي، كنت أخشى” زويلة”، إن مررت تحته أرى مشانق تتدلى منها الجثث، أشم رائحتها، تلوثني دماؤها، تدفعني ظلالها إلى الركض، وأنا أجر قدمي التي تكسحت وأنا ادافع عن مدينتي، التي كرمتني بمعاش لا يكفي علبة سجائر، وشهادة تكريم .. أحرقتها، من “باب الشعرية” أعرج للأزهر، أشم رائحة الحسين، أبكي وأقرأ له الفاتحة، أخرج من “الحمزاوي”..محملا بروائح التوابل والبخور، على بابه أعطس، فأنتفض، عند جامع “البنات” أرى سيدة بملابسها المهلهلة تمد يدها، أسرع الخطا هربا من سيارة فارهة، تجري وتنفث دخانها، أنا الوحيد الذي بقي، يشتم في هذه الشوارع تاريخا بقي شاهدا على عظمة هذه المدينة، على ناصية الشارع وقف مجموعة من الشباب يشمون أيضا ..، علبة فارغة، عندما اقتربت منهم، رأيتهم يضحكون، هم من سيستكملون الطريق، هم من سيعيد مجد مدينتنا، كنت قد حاذيتهم، سمعتهم يتهامسون ويشيرون علي”المعتوه..المعتوه”.

السابق
فكرة للموت … يا صديقي
التالي
رفقة ملتهبة

اترك تعليقاً

*