مقالات

معوّقات التفكير النقدي

روى المفكر الفلسطيني ( إدوارد سعيد) في كتابة الآلهة التي تفشل دائما حادثة وقعت للمفكر الأمريكي اليهودي ( نعوم تشومسكي ) في إحدى اللقاءات العلمية التي حضرها، وعلى هامش الورشات العلمية قدّم تشومسكي كلمة ينتقد فيها السياسة الأمريكية الخارجية التي جرّت البلد إلى حروب قاسية وعبثية ( يقصد حرب الفيتنام )، غير أنّ بعض القادة السياسيين الذين كانوا حاضرين طالبوا بتوقيف كلمته، ووضع حد لتدخلات هذا العالم اللغوي بحجة أنّه لا يملك الخبرة الضرورية في السياسية الخارجية الأمريكية، ولذا لن يكون كلامه إلاّ خطابا سطحيا يجهل بخفايا السياسة وألغازها.
ما يتضح للوهلة الأولى من هذه الحادثة هو الإمتياز الذي تمنحه شهادة الخبرة للمثقف هو امتياز التحدّث في مجال محدّد، وفي غيابها ينبغي عليه أن يظل على الهامش، كمجرّد مشاهد أو مستمع، ويحاول قدر المستطاع أن يتحكم في نفسه، لأنه لا يملك المؤهلات التي تمكّنه من الخوض في هذا المجال. غير أنّ السؤال المطروح هو: هل يعني انتماء تشومسكي إلى العلوم الإنسانية وبالتحديد اللغوية يجعله غير ملمّ بالسياسة لغة ومفهوما ورؤى؟.

إنّ الحادثة تعكس في عمقها الحدود القاسية التي تفرض على المثقف، والتي تقوم مقام الجدران العالية والسميكة والمتماسكة التي تحاصره من الجهات الأربع، وتحدّ بشكل قاسِ من حركته الفكرية واللغوية، وقد ذكر منها إدوارد سعيد بالإضافة إلى عامل الخبرة، عواملا أخرى مثل:التخصص، والولاء السياسي/ الإيديولوجي أو بالتعبير الأدق السلطة السياسية.
إنّ ما تعنيه ” الخبرة ” هي الكفاءة التي يكتسبها المثقف بمجرد انتمائه إلى مؤسسة علمية، تمكنه من مجموعة من المعارف، وتكسبه تلك اللغة السليمة والدقيقة التي تعرف حدودها المعجمية والمصطلحية بشكل دقيق، بالإضافة إلى إطلاعه الواسع على المصادر والمراجع في المجال الذي ينتمي إليه، فيستند إليها في كتاباته/ خطاباته، فإذا هو خرج إلى القوم، وقفوا له إعجابا بلغته ومصطلحاته وكثافة معلوماته فيقولون عنه إنه خبير بمجاله (؟).
فما تمنحه الخبرة عند المثقف هو الإحساس بأنه على صواب وأن الآخرين لا ترقى أفكارهم إلى مستوى ما يطرحه هو من رؤى، فيتحول مع مرور الوقت إلى وصي باسم الحقيقة النهائية/ المطلقة، ويكون هو ممثلا لها. ألا يعكس هذا شيئا من واقعنا الثقافي اليوم عندما تحوّل المثقفون إلى جماعات تحترف الكلام الذي لا يفهمه العامة من الناس، فيحتلون المنابر، وشاشات التلفزيون باسم الحقيقة وحدها، ليمارسوا وصاياهم الفكرية والسياسية والأخلاقية، وكأنّ الناس في ظلمات لا يعقلون ولا يعرفون واقعهم، ولا يفهمون رهانات العالم المعاصر . وقد تتأزم المسألة أكثر في الخطاب الديني في شقه الفقهي، لما فيه من خطورة تهدد الوعي الأخلاقي لدى الجماهير التي أصبحت أكثر ارتباطا بالتدين الطقوسي ما يمنح لهذا الفقيه المجال الأرحب لممارسة وصايته الفكرية. كل هذا يحدث باسم الخبرة.

أما العامل الآخر فهو ” التخصص ” والذي يعني الاقتصار على مجال معرفي واحد بحكم الإرتقاء في سلّم النظام التعليمي، ما يدفع إلى استبعاد مجالات أخرى. فكثيرا ما نسمع فلانا يقول أنه ناقد أدبي، وآخر أنه محلل سياسي، وآخر محللا نفسيا…إلى غير ذلك من التعبيرات التي تمثل تصنيفا وتضييقا لمجال معرفي يشتغل فيه المثقف، ويتحكّم في آلياته المنهجية والنظرية بشكل لا يرقى إليه الشك. وقد انجر عن فكرة التخصص، ظهور ما يسمى ابستيمولوجيا بالنزعة الذرية أو النزعة الشذرية التي فصلت بين المجالات المعرفية فصلا حادا، إلى درجة لم يكن أحدا يتصور أن يجتمع مجالان معرفيان في مجال واحد. وقد أنتجت هذه النزعة رؤية ضيقة للظواهر الإنسانية، فالعالم النفساني مثلا لا يرى في الإنسان غير جهازه النفسي، وربما غير عقل باطن / لا واعي يتحكم في كل سلوكياته، وخارج هذا العالم لا يهمه ما يمكن أن يكون هذا الإنسان. وفي بداية القرن العشرين انخرطت الدراسات الأدبية في هذا التيار، بظهور ما يسمى بالنظرية الأدبية المتخصصة في دراسة الأدب ككيان أدبي / شعري محض، مبعدة كل ما يربط الأدب بالتاريخ وبالسياسة…فظهرت دراسات أدبية متخصصة في الإيقاع الشعري، وأخرى في الإستعارات، وأخرى في البنية التركيبية للنص الأدبي، وأخرى في السرد … إلخ.
إنّ نزعة التخصص بهذا المعنى تعني الولاء لإطار معرفي وقد يكون سياسي، يتحكم في خطاب المثقف ( وعندما أقول الخطاب أقول الوعي أيضا )، فيستسلم لحالة من الكسل والإستسلام، فيُدجّن ويقبل بأي شيء تسمحه له النظرية/ المدرسة/ التيار/ الحركة/ الحزب دون أن يفكّر في مناطق أخرى يتجاهلها تخصصه. وأنا أستغرب من بعض الدراسات الأدبية التي تغرق في تفاصيل النصوص، في إيقاعاتها، في بناها السردية، في تراكيبها فيضعون لها الجداول التفصيلية، والمخططات البيانية، ويفككون الكلمة إلى وحداتها الصغرى ( الفونيمات )، والفونيمات إلى وحدات صوتية في غاية الدقة، فيجد القارئ نفسه أمام ركام من المعادلات الرياضية المستعصية، ومن الجداول الإحصائية، فلا يدري إن كان عليه أن يفهم القصيدة أو أن يفك شفرات هذا النص النقدي، ثم يصاب بنوع من الرهاب من هذا النوع من الكتابة، فتهرب منه القصيدة والنص النقدي معا. ما الفائدة إذن من النقد الأدبي ما لم يكن همزة وصل بين القارئ والنص؟ وما الجدوى منه ما لم ينبه إلى القيم الإجتماعية والتاريخية والثقافية والأخلاقية للنص الأدبي باعتبار ذلك سيساهم في تحيين النص وجعله قريبا من إنشغالات القارئ، ويجيب عن أسئلته اليومية؟ النقد معني ـ خارج التخصص ـ بأسئلة الواقع، برهانات العصر، برغبات الناس، بأحلامهم وكوابيسهم أيضا. وهو ما يجب أن تنتبه إليه الجامعة اليوم، وهو أن تعيد النظر في المنظومة المعرفية والمنهجية، بربطها بقيم العصر وبقضاياه. فما يهم الطالب اليوم هو كيف يجيب عن أسئلته الذاتية وهو يقرأ قصيدة أو رواية أو كتابا في النقد الأدبي. وإذا لم يجد، وجد نفسه يدور في دائرة مفرغة من الداخل، فيكون المقرر في ضفة والواقع في ضفة أخرى، فيقع التصادم والنفور.

المعوّق الأخير هو الولاء السياسي. فالفعل الثقافي المعزول عن الإلتزام الإيديولوجي يكاد يكون شيئا مستحيلا، لكن هناك فرق بين ارتباط خطاب المثقف بمواقف سياسية تعبّر عن واقع إجتماعي معين، وتبحث عن إنتاج واقع جديد، بنقد وتفكيك أسس الواقع السابق، وبين إنتماء المثقف إلى مؤسسة سياسية بعينها، كالحزب، أو الدولة فيتنفس من هوائها، ويغترف من معينها، فيكون بوقها أو في أحس الأحوال لسان حالها.
الحديث يجرنا إلى علاقة المثقف بالسلطة/ المؤسسة الحاكمة، باعتبارها مؤسسة سياسية تمتلك خطابها وادواتها للترويج لسياستها، وإبقاء الأوضاع على حالها طالما أنها لا تهدد سلامتها ولا وجودها. وهنا تكون السلطة في أمس الحاجة إلى من يروّج لقيمها بين الناس، ويزين من صورتها حتى لو كانت هذه السلطة ليست أكثر من نظام توليتاري. هنا لابد أن تكون العلاقة بين المثقف والسلطة علاقة منسجمة، متوافقة تتحرك على قانون أنفعك تنفعني، فالمثقف السلطوي تمنح له امتيازات السلطة، كأن يكون مديرا على مركز ثقافي، أو جامعة، أو إتحاد كتاب فينتج منظومته الثقافية بما يتناسب مع التوجه الإيديولوجي للدولة. ولعل المدرسة كمؤسسة تربوية من المؤسسات التي تفرض الدولة عليها نفوذها، فتقرر البرامج التعليمية التي تتناسب مع سياستها، وتفرض النصوص والمناهج التي تقرأ بها، والخيار لا يكون أبدا عشوائيا. وقد تموّل الدولة مشاريعا علمية فقط من أجل تبرير عمليات عسكرية لا إنسانية، مثلما هو الشأن بالنسبة لبعض مراكز البحث الطبي في الغرب التي أصبحت متخصصة في صناعة الأوبئة الفتاكة ( لنفكّر جيدا في أفلونزا الخنازير؟)، يوضح إدوارد سعيد الفكرة بشكل أعمق ” كان البحث العلمي يُطبق على نحو مباشر في نشاطات سرية، وأعمال تخريب، وحتى حرب صريحة. لقد أُرجئت أسئلة الأخلاق والعدالة “( من كتابه ( الآلهة تفشل دائما/ تر: حسام الدين خضر/ص 96).
إن الولاء للمؤسسة السياسية بالنسبة للمثقف يعني قبوله بشروط التنازل ـ مسبقا ـ عن قيمه الثقافية، وإرجاء الأسئلة الأخلاقية وتركها جانبا، ليكزن صوته صدى لصوت السلطة الآمرة والناهية، وعينه عين السلطة التي قد ترى الجميل قبيحا والقبيح جميلا إن كان ذلك يخدم مصالحها. إنه يشكل تهديدا للنزعة الإنسانية في المثقف التي ينبغي أن تجعله موضوعيا أمام الحقيقة.
ثمة نموذج مهم لمثقف السلطة هو شخصية المثقف الفرنسي ألكسي دو تكفيل الذي ينتمي إلى القرن التاسع عشر، فقد كتب هذا الأخير مقيّما الديموقراطية الأمريكية التي نشأت على جرائم إبادة وعنصرية في حق الهنود الحمر والعبيد السود الذين إقتلعتهم من جذورهم الإفريقية بقوة السلاح، إلاّ أنّ هذا المثقف تناسى تماما الحديث عن جرائم فرنسا في حق الجزائريين، ضاربا عرض الحائط كل تلك القيم التي كان ينافح عنها بثقة عن العدالة والمساواة والحرية كمكاسب الثورة الفرنسية الشهيرة (؟)؟ إن المشكلة تكمن في عدم التوافق بين الخطاب والفعل، وهي نقطة ضعف شديدة الحساسية في كينونة المثقف السلطوي الذي يتناسى بحكم مخدر الإيديولوجيا أن ينظر إلى الظواهر من منظور شمولي وموضوعي.
دعونا نعود في الأخير لنحلل علاقة المثقف العربي بالسلطة ـ السياسية والدينية ـ، إنها علاقة عداء تاريخية، تتكشف ملامحها في المعاناة الكبيرة التي تكبدها المثقف العربي منذ قرون بسبب مواقفه ( المتنبي، ابن المقفع، الحلاج، ابن عربي، طه حسين، نصر حامد أبو زيد…والقائمة لا تنتهي، في الوقت الذي توجد فيه فئة من المثقفين الذين يخدمون مصالح السلطة ولو كان ذلك بالتنازل عن مبادئها، وهذه الفئة لا تنتج إلا صورة منمطة عن الواقع الثقافي، صورة ثابتة غير متحولة، تكرس خطابات وأسماء محددة. فمن الملاحظ أنه لا يمكن أن نجد مثقفا يعمل في سراديب السلطة ويظل محتفظا في نفس الوقت بتلك المسافة التي تسمى المسافة النقدية التي تجعله ينقد ويفكك ويبحث عن البدائل ويفعل ذلك علنية، أي أنّ إجتماع الدورين في شخص واحد شيء مستحيل في واقعنا العربي.
ما أريد أن أقوله في الأخير، أنّ الفعل الثقافي متحرر من كل القيود حتى تلك التي تنتمي إلى المؤسسة العلمية ذاتها. إننا في أمس الحاجة إلى ذلك المثقف الذي يسميه إدوارد سعيد بالمثقف الهاوي. ويكمن مجاله في العالم الدنيوي، العالم التاريخي والإجتماعي الذي إبتكره الإنسان، وهو الذي يعصمه من الوقوع في سجن الذغمائيات، أو في منظومة المقدس. أن يكون المثقف هاويا يعني أن يقف في وجه هؤلاء الذين يُنصّبون أنفسهم حراسا على المقولات والنصوص والنظريات، وقاعدته الأساسية في ذلك هي الإيمان بحرية الرأي والتعبير كمكسبين علمانيين، وسيكون التراجع عن الدفاع عنهما يمثل خيانة يتكبّد تبعاتها المثقف. إن هذه المعركة ضد المقدسات هي الطريقة الناجعة لقول الحقيقة، وإخراجها من وعي النمذجة/ القولبة…

السابق
طغيان
التالي
مسد

اترك تعليقاً

*