مقالات

مفهوم الأدب الشعبي

قد يكون من الصعوبة بمكان تناول الأدب الشعبي بالنظرة السهلة والتمحيص الهين على مستوى الدراسة الميدانية ، نظرا لكونه يشكل ترابطا خيطيا من المعارف الجماعية التي تراكمت عبر أزمنة ممعنة في القدم ، ولأنه يجسد هوية ثقافة جمعية عتيدة ، احتواها وعاء اللهجات واللغات العامية التي يستصغرها بعض الكتاب والباحثين !
وأهمية الأدب الشعبي القصوى يكتسيها من كونه يعتبر جانبا من أهم جوانب الثقافة الإنسانية متعددة المشارب وتنوع الأفكار واختلاف الرؤى والتصورات ، ولعل هذا الاختلاف والتباين يكون من أسباب التزام الباحث بالدقة سواء في التعامل مع المادة موضوع البحث أو مع المنهج الذي يعتمده لبلوغ هذه الغاية ، وتبدأ الدقة منذ المرحلة الأولى التي تجمع فيها المادة ، إلى أن تصل إلى مرحلة التدوين والدراسة وتفكيك الرموز والشفرات الشعبية ، باعتبار الأدب الشعبي ، أدب رموز وشفرات في مختلف أجناسه كما سنرى في هذا البحث !
ومن هذه الالتزامات : دقة البحث والتحري العلمي الجدير بهذا النوع من التفكير الإنساني ، الذي تتراكم فيه المعارف كتراكم الصخور الجيولوجية وذلك لتلافي الوقوع في بعض المشاكل التي قد لا تخدم البحث العلمي والنص موضوع البحث بشيء، فالمجال بحر شاسع ، ودغل شائك ، سواء كان ذلك على مستوى الجمع والتدوين أو على مستوى الدراسة التحليلية للمادة ، والتي تستهدف الكشف عن دلالات ورموز تراكيب عناصره ، التي لا يمكن بأي حال من الأحوال الاستهانة بها ، ولعل عدم الالتزام بالدقة والتروي والحذر يؤدي حتما الى تعسف الباحث على المبحوث فيه ، خصوصا وأننا نكون بصدد أدب يعتمد على الرواية الشفهية واللغة العامية ، التي تختلف من منطقة إلى أخرى ، رغم أن هذا الأدب في أهم مظاهره يبين بشكل واضح وحدة التفكير الإنساني وإن اختلف الزمان والمكان والظروف والملابسات ، التي ساهمت بشكل أو بآخر في إنتاج هذا النوع من التفكير الإنساني !
وأشير هنا إلى أن التعسف على الأدب الشعبي ، يترتب على تعمد الباحث الاجتهاد والتصرف في المادة التي يلتقطها ويسجلها من شفاه الناس، إذ يؤدي هذا التصرف إلى تفسخها ، وبالتالي تحميل الأدب الشعبي نتائج وخيمة تفقده بريقه سواء تعلق ذلك بالمضمون أو الشكل !
ولتلافي كل ما ذكر يكون الباحث في الأدب الشعبي ،ودارس عناصره ملزما بأن يحيط بماهيته ولو كانت إحاطة نسبية بحدوده ، هذا حتى نتمكن من التمييز بين ما هو فردي من حق صاحبه أن يآخذنا عليه ، وماهو نتاج جماعي انصهرت في بوثقته عبقريات فردية ، وذابت في وجدان الجماعة بأسرها ، وبين ما هو ملك خاص وما هو ملك جمعي ،فيحافظ على أحقية الملكية لكل فرد أو جماعة ، ويمنح حرية تمثله كثقافة ، وحرية الإبداع على شاكلته!
ولعل تحديد إشكالية مفهوم هذا الأدب يأتي من كونه نتيجة ضرورية لمعرفة في أي المجالات سنتحرك وإلى أي نمط من أنماط التفكير الإنساني ينتمي موضوع بحثنا .
وذلك تجنبا لالتباس المفاهيم ، وبالتالي تحقيق النجاح في موضعة موضوعه في إطاره العام !
والواقع أن الأدب الشعبي ، ومنذ بداية الاهتمام بدراسته جمعا وتدوينا وتحليلا وتفكيكا يطرح عدة صعوبات تتعلق أساسا بتحديد مفهومه ، سواء كان المختلفون في هذا الصدد متعصبون له ، أو كانوا ضده ، ولقد أوجد هذا الاختلاف في تحديد المفهوم الاختلاف في التفاسير والتحليلات تبعا لتعدد الآراء والتصورات ، فهناك من نهج في تحديده لمفهوم الأدب الشعبي ، نهج النقاد المتأثرين بالفلكلوريين أمثال [سبو ] فذهبوا إلى أن الأدب الشعبي لأية أمة من الأمم هو أدب عامياتها التقليدي ، الذي تتوفر فيه شروط تجهيل المؤلف ،أو إقصاؤه وصدوره عن الجماعة بطرق شفاهية كما يتوفر فيه عنصر التوارث جيلا بعد جيل( 1)، باعتباره وعاء حضارة وقيم إنسانية !
أما الفريق الثاني : فإنه يذهب إلى القول بأن الأدب الشعبي سواء توفرت فيه شروط التوارث وتجهيل المؤلف شفهيا كان أو مكتوبا ، هو أدب العامية ، معتمدين في ذلك على فيصل التجربة الفنية واعتبار اللغة ميزانا للتمييز ، وهذا رأي اللغويين (2) !
أما الفريق الثالث :فقد أخذ بمحتوى الأدب الشعبي ، مسقطا من حسابه اللغة التي يوظفها الإنسان الشعبي وهو في نظرهم أدب معبر عن ذاتية الشعب ، وتطلعاته وآفاقه ، سواء توفرت فيه شروط الفريقين أو انعدمت ، وهو في نظر هذا الفريق يلتقي بأدب الفكرة وبالتالي يلتقي بالأدب الرسمي (3). أما الأستاذ [أحمد رشدي صالح ] فيذهب في ذلك مذهبا يرى أن الأدب الشعبي هو ما توفرت فيه أركان الرأي الأول إلا أنه قال بالحداثة والتقليد معا ، فالأول هو أدب الفكرة والثاني هو أدب العامية !
والصعوبة في تحديد مفهوم الأدب الشعبي تتمثل في تداخله مع سائر الفنون التراثية الأخرى بما فيها الفنون التشكيلية والنحت والموسيقى والطقوس والشعائر والممارسات الشعبية الأخرى ،وإن كنا نميزه عن غيره من هذه العناصر المكونة للقوام الثقافي والحضاري للإنسان في كل مراحله الحياتية ، لكونه متوسل بالكلمة ومسلوك فيه مسلك اللغة الرمزية ،التي لا تفيد الإخبار فحسب كاللغة المباشرة ، بل تفيد التعبير عن مواقف إنسانية ،من حلقات الصراع على جميع المستويات ، وتفاعل بنياته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ، كما تعبر عن سلوكه في المجتمع ،وعن علاقته مع بني جنسه أو مع الطبيعة والكون !
ولا أرى أن من الصواب الاقتصار على هذه التحديدات التي تبدو ليست ذات أهمية ، مقارنة بشساعة الموضوع وأهميته ويمكن تعريفه كذلك من خلال بعض مميزاته ومقوماته التي تساعد على محو هذا الضباب ، الذي يغطي حقيقة الأدب الشعبي ، ويمكن تلخيص هذه المقومات على لسان [هويتمان ] في قولته الرائعة والتي أراها ذات أهمية قصوى في هذا الباب يقو ل :{ الأدب الشعبي ينبعث من أعمال أجيال عديدة من البشرية ، من ضرورات حياتها ،من أفراحها وأحزانها ، أما أساسه فقريب من الأرض التي تشقها الفؤوس ،وأما شكله النهائي ،فمن صنع الجماهير المغمورة ، والمجهولة أولئك الذين يعيشون لصق الواقع (4) !
فهو أدب عريق ،مثقف، واقعي ، مجهول المؤلف،صادر عن ضمير جمعي ، وربما في اعتقادي أن هذه النقط يمكن أن تنير الطريق أمام أي باحث في مجال هذا الأدب وتخفف من وطأة إشكالياته المطروحة دوما وأبدا !
فالأدب الشعبي عريق ،ضارب بجذوره في عمق التاريخ البشري ، شأنه في ذلك شأن الفنون التراثية الأخرى ،نظرا لكونه من خلال تضميناته ، يمكن الكشف عن أسرار حياة المجتمعات القديمة ، وعن كيفية التغيرات والتطورات التي اعترت الفكر البشري ،خصوصا وأنه كان يؤاخي بعض أنماط هذا التفكير البشري كالسحر والأساطير وإن لم يكن قد انفصل عن باقي الفنون الشعبية الأخرى ،كما يذهب إلى ذلك عالم الفلكلور[جيمس فريزر]
هذا يجرنا إلى القول بمحافظة الأدب الشعبي من حيث الشكل ، والسلفية من حيث المحتوى ،لأنه لا زال يحفل بتلك الأساطير والخوارق،التي تعبر عن التفكير البشري في مرحلة طفولته ،وبالتالي ننفي عنه الواقعية ،والتعبير عن حاجيات الإنسان الحياتية !
فالأدب الشعبي ينحى منحى مزدوجا ،فهو تقليدي من جهة ومرن من جهة أخرى ،لأنه قابل للإضافة وذلك لأنه صادر بطبيعة الحال عن الإنسان ، والإنسان ميال إلى الالتصاق بحياته ،وبواقعه ،تبعا لتفاعل بنياته الفكرية ،مع سائر بنيات مجتمعه ،التحتية والفوقية ،على السواء في حدود الواقع ،ونظرا لكون هذا الأدب هو القالب الذي يشحن بتلك المعارف وكل تلك المخزونات الإنسانية من مواقف وتصورات ، تشكل القاعدة المثلى التي تستقر في نفس هذا الإنسان ،ليسير على هديها في حياته ،فإنه إلى جانب الحفاظ على الموروث يحافظ أيضا على مسايرة ركب الحضارة التي تنتسب إليها الجماعات الإنسانية !
هذه المرونة هي التي تجعل الإنسان الشعبي يتبنى الماضي الثقافي لأجيال سابقة ويتمثله كثقافة ، ويضيف إليه كلما استدعت ضرورات الحياة ذلك ،إذ تجعله يسقط من حسابه كل تلك العناصر التي لا تنسجم وظروفه الحياتية
رغم الاحتفاظ بالملامح التقليدية الموروثة ، والتي يضيف إليها استجابة للوجدان الجمعي كلما اضطرته الظروف إلى ذلك (5) . ولتلبية كل احتياجاته النفسية التي يحسها ، لاستمداد قدراته وخبراته من إطاره الاجتماعي لأن الأدب الشعبي يشكل ركنا من أركان ثقافته ، فإنه ميال
إلى الارتباط بالواقع ، والتعبير عنه من خلال مخزونه الثقافي مع مراعاة الاحتفاء بالإبداع الجماعي المستمر !
وهذا لا يعني انسلاخه عن الماضي كلية ، لأنه حي ماثل فيه ،ويشكل لبنة من لبناته الفكرية ، التي لا يمكن تجزئتها عن كيانه اللاشعوري ، فهو رغم أنفه حاضر في وعيه ولا وعيه ٠ فالماضي والحاضر متلازمان في الإنسان تلازما لا انفصام فيه لكونه يحمل ثقافة بوسائل معرفية معينة ، كالمحاكاة والتلقين والتجربة ،(6) ٠
وإن كان الأدب الشعبي يصدر -كسائر الفنون – عن مصالح الجماعة ، فإنه يعرف نتاج الأقدمين المتضمن لخبراتهم ،ورغم كونه أدب عوام فإنه أدب مثقف( 7).
فهو إذن مزدوج الفعالية ، يرتبط بواقع الإنسان وبحياته الراهنة ،ويساير ركب التطورات الحضارية ،ويحافظ على عراقته المتمثلة بالأساس في تلك التضمينات الأسطورية والخارقة التي يرجع تاريخها إلى طفولة البشرية ، سواء كانت تضمينات أسطورية ،خرافية ،أو واقعية ، فإنها تفرض نفسها على الجماعة ، صاحبة الأدب لأنها تعبر في رأيها عن مادتها لا عن شيء آخر .وإنها الحقيقة وليست الرمز والمجاز لأن ذلك فقط من صنع الدارسين للثقافة الشعبية ، أيضا لأنها خارجة عن حدود الزمان والمكان .
فالتصورات الخرافية كما يرى [ شلنج ] ليست مختلفة ، ولا هي متقبلة عن إرادة أو اختيار ، ولما كانت نتيجة عملية مستقلة عن الفكر والإرادة فهي في وعي أصحابها ذات حقيقة لا راد لها ،ولا تقبل المناقشة ،فالشعوب والأفراد إنما هم أدوات مسخرة لهذه العملية التي تتخطى أفقهم ، والتي هم خدم لها من غير أن يفقهوا( 8).
وهي في هذا الخروج تخرج عن حدود الإقليمية ، إذ لا يمكن القطع في أصول هذه التضمينة أو تلك ، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على أن هذه التضمينات الأسطورية أو الخرافية ، التي تطبع – إن صح التعبير -الأدب الشعبي بالعراقة مرجعها إلى تعبيرها عن مواقف إنسانية سواء من الطبيعة أو الكون ، كفكرة المسخ :
حيث قالوا في آخر الزمان تأتي المرأة فتجد زوجها مسخ قردا ، لأنه لا يؤمن بالقدر ، كما أنهم رووا الكثير أيضا ، أن هناك أناسا مسخوا قرودا لأنهم أخلطوا الماء باللبن ، ومنها حكاية صاحب القرد والخمر ( 9). وهذا لأن علاقتهم بالقرد كانت موقف تأمل ، والتأمل بطبيعة الحال يثير الإعجاب ، والإعجاب يثير التساؤل ، والتساؤل يلح على الإجابة الشافية (10) .
فربطوا إذن علاقة القرد بالإنسان محتكمين في ذلك إلى الإيمان بالقدرية والدهرية ،وإلى ما شاء الله من الاعتقادات والأفكار الغيبية والخرافية !
وبلغة أخرى يمكن القول بأن بعض مواد التعبير الشعبي بصفة عامة تخرج من القناع لتستغل في السياحة والفن .كما أنه في الوقت الذي تتم فيه هذه العمليات لا تكون بعيدة عن الجماعات الشعبية ، بل إن الجماعة الشعبية تتقبل هذه التغيرات سواء كان ذلك بشعورها أو بلا شعورها ،حيث يتأثر نتاجها الأعلى بشكل أو بآخر( 11).
ولا نريد أن ندخل في المتاهات التاريخية ، بقدر ما نريد الإشارة إلى عملية الحضارة التركيبية ، وقد سقنا هذا الاعتقاد للتمثيل فقط لا للدخول في خضم التفصيل التاريخي لأصول هذه الأشكال التعبيرية في الأدب الشعبي ، فهذه التضمينات الأسطورية والخرافية لم يحتف بها الأدب الشعبي عبثا ،وإنما لأنها تطرح إشكاليات بالإمكان تكرارها في كل زمن وفي كل مكان عند الإنسان الشعبي الذي يفتقد إلى الوسائل العلمية ، وصحة الإدراك العلمي للأشياء ، فتكون الإجابة نفسها ، أضف إلى ذلك كون الإنسان الشعبي ، ميال إلى الاقتداء بمخلفات الأجداد لأنه يرى فيهم النموذج . يقول أحد قاصي أمريكا لبعض جامعي الحكايات :
( إن كل ما يعثر عليه الإنسان في اليوم من أخبار آبائنا المتناقلة ، لهو أكبر قيمة من الكنوز واللآليء ،ومن الذهب الأحمر ،تلك الأشياء التي يسعى إليها البيض ،والذي نعرفه عن آبائنا ، أنهم كانوا يلزمون أنفسهم بإخفاء هذه الكنوز عن المتطفلين ، تماما كما يتحتم علينا نحن الآن أن نقوم بحماية حكايات وطننا التي تبدو مبعثرة من قبل أن تدروها الرياح ، المتغيرة وتطرح بها هنا وهناك في البيئات غير الصالحة (12).
فالأدب الشعبي عريق بماضيه ،وواقعي بحاضره وتعبيره عن حاجيات الجماعات البشرية إن على المستوى النفسي أو المادي ، أو المعنوي ،وهو في الوقت نفسه متطلع إلى آفاق مستقبلية ، ولا يمكن لأي من هذه الحالات أن تنقص من قيمته ، وتجعله عرضة للمدعين العلم والمعرفة ،دون أدنى التفاتة إلى ما يختزنه ذلك النص المتردد على شفاه الصغار والكبار من أبناء الشعب ، من مثل وقيم عليا لأنه ( ثمرة جهود متواصلة لمبدعين ذابت شخصياتهم في بوثقة الشخصية الجماعية ، وذلك لإثبات هذه القيمة العليا ولإتباث موقف إنساني( 13).
فما جمعه للنقيضين إلا من أجل اكتمال تفكير الإنسان الشعبي ، ولا أستثني هنا سائر العناصر التراثية الأخرى ، أو تجاوزها ، لأنها كلها تتفاعل فيما بينها لتشكيل تراث يجسد هوية أية أمة من الأمم أو جماعة من الجماعات ذلك لأن التراث الشعبي بصفة عامة يربط بين الشعوب المختلفة ويوحد اهتماماتها، فهو يربط بين أفراد يعيشون في مكان وزمان واحد أو ينتمون إلى مناطق مختلفة ،وهنا تكمن أهمية تاريخية التراث الشعبي ، لأنه يزيل حواجز الزمان والمكان ، ويشكل كيانا تتوحد فيه مختلف الكيانات !
ولعل الإسهاب في الكلام عن عراقة الأدب الشعبي، لا يحل أبدا لغز الإشكالية ، بقدر ما يخفف العبء الثقيل الذي يتحمله الباحث في الأشكال التعبيرية الشعبية لأننا لا نهتم بها الاهتمام المنوط بها ،إلا في الوقت الذي بدأنا نبحث فيه عن مكامن هويتنا العربية ، فكان التراث الشعبي خير خزان محافظ على الأمانة !
يتبادر إلى الذهن الكثير من الأسئلة حول المبدع والمتلقي في الأدب الشعبي ، فإذاكان هذا الأدب نتاجا فكريا معبرا عن مواقف الإنسان الشعبي ،وتطلعاته ، وأحلامه وسلوكه ، فهل يصح نسبته إلى عبقري معين ؟ وهل الشاعر “الراوي” هو المبدع ؟ وإن كان لا ، فهل نزل من الفراغ والعدم ؟
إن الإجابة عن هذه التساؤلات بإمكانها إقناعنا بأن الأدب الشعبي نتاج فردي بالضرورة ، ولكن عبقرية الفرد انصهرت في بوثقة عبقرية الجماعة ، لتحقيق كيان اجتماعي معين لكون الناس غلب عليهم الاهتمام بالقول فأغمر القائل !
( ما يدعو له بارت ) و بالتالي اعتبر ناتجا وصادرا عن الجماعة ، لأن الفرد ليس من حقه إلا شرف الانصهار في كيان الجماعة ، وهذه سمة من أهم سمات الأدب الشعبي ،التي تميزه لأنه أدخل في الجهد الجماعي عوض الجهد الفردي ، فانعدم فيه ظهور الشخصية الفردية ، ورغم ذلك فإن هذه الميزة لا تمنحه تحقيق الحياة بالتعبير ، كما أنها لا تخرجه من دائرة الفنون ، فالشخصية الجماعية تقابل الفرد من حيث النضج ، واكتمال الشخصية نفسيا ووجدانيا (14). والتفرقة بين الضمير الفردي والضمير الجمعي تستلزم النظر إلى ذلك من الوجهة النفسية ، لما لها من أهمية بالنسبة للموضوع ،كما أنه يستلزم الاهتمام قبل كل شيء، بمدرسة [كارل كوستاف يونج ] لأن هذه المدرسة هي التي حققت النجاح في التحليل النفسي ، لأشكال التعبير الشعبي ، أيضا لأن هذه المدرسة توصلت إلى قانون النفس الذي يحكم سلوك الإنسان في الحياة (15) ، فيونج لم يذهب في تحليله مذهب أستاذه [ فرويد ] الذي اهتم بدراسته للاشعور بالقول بأنه وعاء للمكبوتات الجنسية ، بل انطلق من التفرقة بين ما هو جمعي يشكل الروح الحقيقي للإنسان وما هو فردي في إشكالية الشعور واللاشعور ، وعلى هذا الأساس يكمن الفرق في كون القطب الأول ، أي الوجدان ناتج عن تأمل جماعي وحصيلة ثقافة جمعية ، وهذه التأملات تولد مع الإنسان وهي التي سماها [يونج ] بالأنماط الأصلية في الإنسان ، وهي المكونة لحقيقة الروح الإنساني ، أما بالنسبة لما هو فردي ، فمدرسة [إدلر ]كفيلة بذلك . فالوجدان الفردي هو الذي من حقه أن يطبع الشخصية الفردية بطابع خاص ، وبسمات خاصة ، تميزها عن غيرها ، وهذه الشعبة من علم النفس الفردي والجماعي تمكننا من إدراك ما هو فردي من حق صاحبه وما هو جماعي من حق الجميع ، ويمكن أن نعرض لذلك في مكان آخر غير هذه الدراسة ، ومع ذلك فإنه يوجد إلى جانب هذا الوجدان الفردي وجدان آخر ينسجم مع وجدان الجماعة ، له خصيصة إبراز النموذج الذي يجب أن يصعد إليه الآحاد في السمت والسلوك ، وسائر العلاقات الأخرى (16).
ويمكن الاستئناس في هذا التعريف بفكرة أساسية في هذا المجال ، ف [يولس ] يرى أن العقل الجمعي بمثابة بؤرة تحيط بها دائرتان ، دائرة العالم الصغير ودائرة العالم الكبير ، ومن هذه البؤرة تنطلق الأفكار والأحاسيس إلى العالم ثم تعود مزودة بإدراك جديد يثبت في أشكال لغوية (17)إلا أنه لا يمكن في الأدب الشعبي التمييز بين ما هو فردي وما هو جماعي ، لأن الجزء من الكل هو الكل عينه .وكل شخص يعد مساويا للجنس البشري بأسره كما يرى [كاسيرر ] (18).
فالأدب الشعبي يتسم بالجماعية ، ليس فقط لأنه نتاج جماعة معينة في عصر بعينه ، بل لأنه يشكل تراكما على مر العصور ، خصوصا إذا سلمنا بأن التعاقب المرحلي في التراث الشعبي لا يشكل انتقالا كاملا ، لأن التدخلات المرحلية تكون بمثابة سلسلة تراكمية ، هذه السلسلة المترابطة تعبر عن حلقات الوعي الشعبي المفقود (19) .
ولأن هذا النتاج ، وجد بصورة جمعية ،لا بالصدفة لأن وراءه تختفي عبقريات فردية مادام بالإمكان ، نسبة أي نص تتبناه الجماعة إلى أدبها الشعبي ، وإن كان معروف المؤلف ، ولكن على مر الزمن يغمر صاحب النص ، ويهتم بإبداعه كما سبق الذكر ، وذلك لأن هذا النص تنبني عليه تراكمات تجعله يتسم بالجدة ، لأنه يتعرض للإضافة والتغيير ، تبعا لضرورات الحياة الشعبية . فالقص الشعبي كان يعبر عن حقائق تاريخية فصاغها هذا الفكر في قوالب قصصية ، شيقة ، قصد تلافي الضياع ، إذ يمكن القول بأن ( ذكرى حدث تاريخي ، أو شخصية حقيقية لاتعيش أكثر من قرنين أو ثلاثة في ذاكرة الشعب وهذا يرجع إلى أن الذاكرة الشعبية يصعب عليها الاحتفاظ بالأحداث الشخصية ، والوجوه الحقيقية ، فهي تعمل وفق هياكل مختلفة وأنواع بدلا من أحداث ، وشخصيات نمطية بدلا من الشخصيات التاريخية (20) .
وربما كان ذلك من أجل التحرر من قيود التاريخ والأحداث التي دونت لرصد حركات الملوك وذلك حتى تستطيع التحرك عبر تاريخها الطويل( 21).فسيرة عنترة ليست إلا تاريخ عنترة ، شاعر بني عبس الجاهلي التي كانت تنسب إلى الأصمعي،فما لبث الشعب أن نسي لمن تكون هذه السيرة ، وبالتالي أغمر الأصمعي وبقيت بطولة عنترة راسخة في ذهن الجماعة ،بعدما غيرت فيها وبدلت زيادة ونقصانا ، تبعا لتصوراتها لهذا البطل النموذج( 22).
أما بالنسبة لطريقة تردده بين الجماعات فإنه بحكم أحقية الملكية الفردية ، فإنه يتردد بالرواية الشفهية وفي المجالس وليالي السمر ، وفي كل خطوة يخطوها الإنسان الشعبي في حياته ، فهو ينتقل بهذه الطريقة ، وبحكم الفطرة سيظل مترددا بين الجماعات معتمدا على الرواية الشفوية (23) . وتبعا لهذا نرى أن الرواية ليست مقصورة على أشخاص معينين ، كما هو الشأن لبعض المجتمعات التي يحتكر فيها أشخاص بعينهم رواية القص الشعبي ، وأنه في حالة روايتها من طرف آخر يعتبر ذلك خرقا لممنوع ، لأنها تبقى مضمونة لخلف هؤلاء بحق التوارث (24)
ولعل هذه الحرية في الرواية هي التي تضمن للأدب الشعبي الاستمرارية ، والدوام ، والانتشار في سائر الاقطار، والبقاع وهذا ناتج عن هجرة الرواة وعن عامل التأثير والتأثر ، المتبادل بين الشعوب .وقد يمكن أن نلمس ذلك بكل وضوح في التشابه والتجانس القائم في الآداب الشعبية بين مختلف الأمم ، أيضا يتضح ذلك من خلال أعمال رواد المدرسة التاريخية الفنلندية [كانتي آرني ] و [آري طومسون ] وغيرهم كثير ، وأيضا من خلال أعمال الأنتربولوجيين أمثال [ليفي برول] الذي أعلن رأيه في هذا التجانس والتشابه بين آداب الشعوب ، وإن كان ينفي مسألة التأثر والتأثير ، يقول :
( من الواضح أن وجوه التشابه بين الشعوب لا تقوم جميعا على مبدأ التأثر والتأثير ، إذ من المؤكد أنه من الممكن ،وفقا للقوانين الطبيعية أن تنشأ من الأفكار الإنسانية التي تتبناها الشعوب المستقلة عن بعضها البعض والمنتمية إلى أجناس مختلفة أن تنشئ تصورات متشابهة في المجالين المادي والروحي على السواء ، إن الباحث اليوم لم يعد يتمسك بأحد الاحتمالين دون الآخر بوصفه المبدأ الأساسي في تشابه الآداب الشعبية ، أعني مبدأ هجرة الآداب الشعبية، واعتماد بعضها على البعض الآخر أو مبدأ تشابهها على الرغم من استقلالها إذ من الممكن لكلا المبدأين أن يقف بصفة أساسية إلى جانب الآخر ،بل إنهما في بعض الأحيان قد يتفاعلان معا (25).
فالأدب الشعبي يفرض نفسه على الإنسان الشعبي ، وبالتالي يفرض روايته عليه فرضا لأنه لا يمكن فصله عن البنية الثقافية الشعبية ، فهو دستوره ، وإبداعه ،ومقنن قواعده و قيمه العليا ، ومخزونه الثقافي ، وهذه الأهمية تفرض الرواية ، فيرويه تبعا لتصرفاته ،وسلوكاته مع غيره ، وعلاقته مع الطبيعة والكون ، وفي إطاره الاجتماعي العام ،فإنه لا يمكن القول 🙁 الجمل هاز راسو ) أو ( تشعشيع النوادر ولا شفاية العديان ) إلا إذا كان بصدد الموقف أو عاشه بالفعل ، فالرواية إذن ليست من قبيل الترفيه والسمر بقدر ما هي ملازمة للإنسان في حياته العامة والخاصة على السواء في كل تصرف أو سلوك مع غيره ، مع أنه ينبغي التنبيه إلى أن تلك العناصر التي يستوعبها الأدب الشعبي بصفة خاصة ، والتراث بصفة عامة معرضة دوما وأبدا إلى التغيير والتجديد مع إسقاط تلك الوظائف التي لا تنسجم والواقع الشعبي ، والتي ليس من وراء رسوخها في الذهن طائل وذلك تابع لاختلاف الرواة الثقافي وكيفية تفاعلاتهم مع سائر البنيات الاجتماعية والفكرية الأخرى ، يقول أحد علماء الفلكلور :
(إن هناك بكل تأكيد الإحساس بالشكل ، تلك الميزة التي يتصف بها القصاصون المجيدون ،فإن قابلتهم حكاية هزيلة مهلهلة البنيان ،فإنهم بما لديهم من إحساس بالشكل ، يروون هذه الحكاية عن طريق تحويرها واستكمالها مرة أخرى إلى شكلها المكتمل (26).
انطلاقا من هذا يتضح لنا بأن الأدب الشعبي بكل عناصره ، من أمثال ، وألغاز ، وغنائيات وبكائيات ، قصص خرافية كانت أم واقعية، تخضع لعامل التغيرات الحضارية، التي تؤول إليها الجماعات البشرية ، على مستوى نطاقات مختلفة ،وهذا من أهم السمات التي تطبع الأدب الشعبي بالمرونة التي تراعي التغيير كما تراعي التفاعل مع البنيات الحياتية الراهنة ،للإنسان الشعبي .
ورغم هذا العرض لإشكالية التعريف بالأدب الشعبي وببعض سماته وخصائصه ، فإن القول في هذا الباب بهذه الطريقة الموجزة ، لا يمكن أن يعطي الأدب الشعبي حقه المنوط به من الدراسة ، لأنه تجسيد لهويات متداخلة ، يستحيل الفصل بينها لأن الماضي يحيى فينا كما نحيى في المستقبل ، والتكوين الإنساني ثقافيا يتم من خلال تداخل الأزمنة :تداخل الماضي في الحاضروالحاضر في المستقبل ، والتعريف في حقيقة الأمر لا يتم من خلال أربع مميزات أو خمس مع تناسي عنصر اللغة ، الذي يحتل أهمية كبرى في هذا النوع من الإبداع الإنساني ، لأن السلوك الإنساني على المستوى الجمعي ، يتحول إلى سلوك لغوي ، فإن أول ما يبحث عنه في التعبير الشعبي نظامه اللغوي ومن اللغة ننطلق إلى أدبية هذا التعبير ، كما يرى [أندري يولس ]( 27)، أو كما يرى ياكبسون ، في تمييزه بين الأدب الشعبي والأدب الذاتي متأثرا في ذلك بالتمييز السويسري ، بين اللغة والكلام ، فيعتبرأن الأدب الشعبي يمثل اللغة (28)!
بقلم الأستاذ : صالح هشام
_________________________________________________
المراجع المعتمدة :
1-أحمد رشدي صالح :الأدب الشعبي (دار المعرفة )ص10.
2- المرجع نفسه ص10 .
3-المرجع نفسه ص 10.
4-المرجع نفسه ص 10. ص 9 قولة افتتح بها رشدي صالح لتعريفه لماهية الأدب الشعبي .
5-عبد الحميد يونس : دفاع عن الفلكلور . الهيئة المصرية للكتابة .1974، ص149
6-عبد الحميد يونس : التراث الشعبي دار المعارف سلسلة كتابك عدد 91..ص17.
7- عبد الحميد يونس : دفاع عن الفلكلور .ص 151 .
8- محمد عبد الرحمان مرحبا :قبل أن يتفلسف الانسان موسوعة الثقافة الفلسفية ،دار النشر للجامعيين بيروت 1958 ص17.
9-شوقي عبد الحكيم :الفلكلور والأساطير العربية ،دار ابن خلدون 1978 ص 128.11
10-د نبيلة إبراهيم :البطولة في القصص الشعبي ص9
11-د نبيلة ابراهيم : عالمية التعبير الشعبي ،مجلة فصول ج3 ص34- ط 1983.
12- ديرلاين : الحكاية الخرافية ترجمة د نبيلة ابراهيم دار القلم بيروت ص143.
13-عبد الحميد يونس :التراث الشعبي سلسلة كتابك عدد 91 ص22.
14- دنبيلة ابراهيم :قصصنا الشعبي من الرومانسية إلى الواقعية ،دار العودة بيروت 1974 ص136.
15-د نبيلة إبراهيم : عالمية التعبير الشعبي ،مجلة فصول ص34.
16-عبد الحميد يونس :دفاع عن الفلكلور ص (108)
17-دنبيلة ابراهيم عالمية التعبير الشعبي ص32
18- جودة عاطف نصر : الرمز الشعري عند الصوفية ،دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع (ط1978)ص28.
19 عبد الحميد يونس ص7 .
20-غراء حسين مهنا :الحكاية والواقع محلة فصول
ص 128.
21- فاروق خورشيد : السير الشعبية . سلسلة كتابك عدد 61 ص 3 .
22- المرجع نفسه ، ص3.
23 عبد الحميد يونس : دفاع عن الفلكلور ص149.
24 – فريديريك فون ديرلاين : الحكاية الخرافية ، ترجمة دنبيلة ابراهيم ،دار القلم بيروت ص 144.
25- ابراهيم عالمية التعبير الشعبي مج فصول ص 25.
26-يسري شاكر :حكايات من الفلكلور المغربي دار النشر المغربية ص 19 .
27-دنبيلة ابراهيم :عالمية التعبير الشعبي مجلة فصول ص32 .
28- المرجع نفسه ص32 .

من مواليد 5 يوليو 1959 بوادي، إقليم خريبكة، التحقت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية وتحصلت على شهادة الإجازة في شعبة اللغة العربية وآدابها!، جامعة محمد الخامس بالرباط، بعد حصولي على شهادة البكالوريا في شعبة الآداب العصرية سنة1980. التحقت سنة 1985 بالتدريس، تخصص اللغة العربية وآدابها!، وفي سنة 2007 التحقت بالإدارة التربوية بالرباط، ولا زلت أمارس مهامي بها إلى حدود كتابة هذه السطور!.
أغرمت بالقراءة والكتابة منذ نعومة أظفاري ،فقرأت الرواية والقصة القصيرة والشعر خصوصا الشعر الملتزم ، لكني كنت ميالا لكتابة القصة القصيرة، عزفت عن الكتابة والقراءة لفترة طويلة جدا ، أمام غياب الدعم و التشجيع والتحفيز !
ابتداء من 2014، عدت إلى غمار الكتابة، في مجال الخاطرة والمقالة بمختلف مشاربها، وألوانها، وقد لاحظت أن الشخوص تغلي في ذاكرتي كالحمم التي تبحث عن ثقب للخلاص، وكان فعلا إنتاجي في القصة القصيرة في هذه الفترة القصيرة جدا غزيرا جدا!
دخلت مغامرة النقد في مجال السرد والشعر، أملا في إنصاف الكثير من المبدعين الذين تضيع نصوصهم في أعمدة منتديات العالم الأزرق دون أن ينتبه لهم أحد !.
قمت بنشر إنتاجاتي الأدبية في مختلف المنتديات الأدبية، وفي أغلب المجلات الإلكترونية والورقية في مختلف أنحاء الوطن العربي، لم أبحث يوما عن الشهرة والتميز بقدر ما كان همي الارتقاء باللغة العربية ، التي مع الأسف تسير نحو الهاوية، وأتمنى أن أوفق في هذا المسعى، وكلي إصرار على تحقيق هذا الهدف إن شاء الله !.

السابق
لَيْمونةٌ
التالي
نيرانٌ صديقة

اترك تعليقاً

*