مقالات

مفهوم الممارسة النقدية عند محمد مصايف

محاولة للتقرب من خصائص التجربة النقدية لدى الناقد الكبير الدكتور محمد مصايف.

محمد مصايف ( 1924 / 1987 ) علامة بارزة في حقل الدراسات النقدية الجزائرية ، كرس كل وقته لإثراء النقاش حول ماهية العملية النقدية وكيفية تفعيلها لمواكبة مسار العملية الإبداعية التي تمخضت عن أسماء كثيرة كان لها دور في النهوض بالأدب الجزائري وإثرائه . هذه الأسماء التي كانت بحاجة للتوجيه والإشراف، الأمر الذي لم يبخل به ناقدنا ، حيث نجده يوجه عنايته لكافة الفنون الأدبية ومبدعيها يفرد لها وقته الثمين ويصب فيها خبرته ممزوجة بروحه الوطنية المتوثبة لخدمة الأمة في المجال الذي يشغله ويشكل محور اهتمامه .. ألا وهو النقد الأدبي .

لا تتوفر لدينا معلومات كافية عن هذا الأديب الناقد الفذ سوى ما توحي به كتبه ، فقد كان دائب النشاط موفور العزيمة بشكل ملفت للانتباه، فهو يثري الصحافة بمقالات ثورية عاصفة تعبر بصدق عن مشاعر الإخلاص التي تعتمل في صدره تجاه تفعيل الحركة الأدبية ودفعها إلى الأمام وفق تصور واضح المعالم، لكي يهتدي على ضوئها الأدباء الشباب .

كما نجده يطرق بجرأة أبواب ظلت موصدة يلفها الخوف والغموض، فكسر بذلك حاجز الخوف لدى الدارسين الذين توالت اهتماماتهم تشرح الظاهرة الأدبية وتدرسها ، فاتحة المجال أمام الحركة الأدبية ، التي انتعشت وأثرت تجاربها ..

منهجه النقدي
بدأ د.مصايف الممارسة النقدية من خلال الصحافة منذ عام 1968 وقد جمع مقالاته في كتابه { فصول في النقد الأدبي الجزائري الحديث } الذي صدر في طبعته الأولى عام 1974 . ويصرح في مقدمته بأن هذه المقالات ( تعبر تعبيرا صادقا عما يراه صاحبها في أهم القضايا الأدبية، وأننا تحاشينا المجاملة والتحامل، وبحثنا عن الحقيقة الفنية، قست أحيانا قسوة أخرجها عن طور الاعتدال، ولكنها لم تخف الهدف منها وهو المساهمة في بعث ثقافتنا بعثا جديدا )

وقد وجدناه منذ البداية يخوض تجارب ضخمة لم تسبق في حقل الدراسات النقدية التي لم تكن شيئا مذكورا قبل أن يعد رسالته الجامعية الموسومة { النقد الأدبي الحديث في المغرب العربي } عام 1976 وصدر في طبعته الأولى عام 1979 ، التي حاول من خلالها وضع حجر الأساس في صرح الممارسة النقدية وفقا لطروحات منهجية علمية أكاديمية ( إن البحث في النقد المغربي بالمنهج الذي اتبعناه جديد لم يسبق إليه في المغرب العربي .. فكل الكتابات النقدية التي نشرت في الصحف والمجلات المغربية ــ المغاربية ــ أو صدرت في كتب أدبية عامة، كانت تنقصها هذه الشمولية التي أوردناها لبحثنا منذ البدء ) .

والشمولية التي يقصدها وضحها عند تناوله للدراسات والكتب النقدية العامة التي ( كانت بحاجة ماسة إلى بحث يصف اتجاهاتها ويقوم مسارها العام ويرصد خطوات تطورها ويستشرف مستقبلها ويرسم لها شخصيتها الخاصة ويحدد إسهاماتها في النقد العربي بعامة ) .

وانطلاقا من هذه الرؤية الشمولية نجده يتعرض للأعمال الأدبية التي يطرقها وفقا للمنهج ( الذي اختاره دائما لأعمالي الدراسية النقدية . وهو منهج يقوم أساسا على الموضوعية في البحث الاعتدال في الحكم، واحترام شخصية الكاتب ومواقفه الفنية والإيديولوجية فلا اتخذ موقفا إلا عند الحاجة وانطلاقا من النص الذي أدرسه ) ويبرر سبب اختياره لهذا المنهج دون غيره ( لأنه المنهج الأكاديمي الذي يفرق بين العمل الأدبي وبين صاحبه ثم لأن دراساتنا النقدية في المرحلة الحالية مطالبة بتجديد الاتجاهات والاهتمامات لأدبنا المعاصر أكثر مما هي مطالبة بإلقاء الأحكام جزافا على هامش الأعمال الأدبية . وثالثا لأن هذا المنهج هو وحده الذي يفيد العمل الأدبي وصاحبه القارئ والنهضة الأدبية معا )

ويعود فيوضح منهجه النقدي الخاص في رده على أحد منتقديه ( فالأدب عندي ظاهرة اجتماعية وحضارية بالدرجة الأولى وفي هذا الإطار المزدوج أدرسه غير متغافل جانبه الفني والتقني. ولا أرى لي أي حق في أن أنوب عن الأديب في التعبير عما لم يرد التعبير عنه، وأرى لي كل الحق في تحديد اتجاهه ومضمونه الاجتماعي في إطار المذهب الذي يؤمن به، ووصف هذا المضمون وهذا الاتجاه بما يستحق من موضعية ونزاهة وتقدير )
رسالة الناقد

يرى د.مصايف ( أن الإنتاج الأدبي والإنتاج النقدي متلازمان، وأن تلازمهما مفيد للحركة الأدبية بخاصة، والحركة الثقافية بعامة، وثانيهما أن رسالة الناقد قد لا تتمثل في هذه الشروح والتلخيصات والتحليلات والتبريرات التي تمتلأ بها لصحف الوطنية،وان رسالة الناقد لا تقل أهمية بحال من الأحوال عن رسالة الأديب . فالناقد إذا كان مزودا بأسلحة الفن وكان هادفا وموضوعيا في كتاباته؛ يضيف إلى أبعاد الأثر الأدبي أبعادا جديدة توسع من مفهومنا للحياة والمجتمع الذي نعيش فيه )

وبالتالي فإن رسالة الناقد لا تقل أهمية عن رسالة الأديب فهما متلازمان، يكمل بعضهما بعضا ( فالناقد إذا كان مزودا بأسلحة الفن وكان هادفا وموضوعيا في كتاباته، يضيف إلى أبعاد الأثر الأدبي أبعادا جديدة توسع من مفهومنا للحياة والمجتمع الذي نعيش فيه، وتعمل على إثراء هذا الأثر إثراءا يرفع من مستواه ) .

والناقد ليس خصما للأديب يترصد عيوبه وزلاته لكي يضخمها وينال من صاحبها ، وهو ليس قاضيا يحكم على الأعمال الأدبية بموازين الصحيح والخطأ ، أو يحكم ذوقه الخاص الذي يراه مناسبا … بل الناقد هو صديقه الذي يأخذ بيده ويساعده في تطوير تجربته وتجويدها ( رسالة الناقد في نظري تتمثل في البحث بجد عن هذا الشيء الذي سبق الحديث عنه، والذي هو غاية الأديب من نظمه الشعر، أو كتابة القصة أو المسرحية ، هذا الشيء هو الذي يهم الناقد في المقام الأول، وهو الذي يقضي في البحث عنه أعظم الوقت، وهو الذي يحصل للناقد رسالة محترمة من طرف الجميع )

وظيفة الناقد
يضع د.مصايف شروطا يجب أن تتوفر في الناقد :
• أن يتسلح بالثقافة الضرورية التي تجيز له ممارسة عمله في إطار الموضوعية والرؤية الشمولية
• وأن يعمل في إطار منهج محدد وغاية واضحة، يتجنب فيها التحامل والمجاملة أو الكلام على هامش العمل الأدبي
• وأخيرا عليه أن يفهم رسالته على وجهها الصحيح .
والناقد يتعامل مع النص الأدبي على ثلاث مستويات :
• دراسة الأداة التي يستخدمها الأديب والتي تشمل اللغة والأسلوب، وموافقتها للموضوع ــ المضمون ــ العام والأساليب المستعملة
• تفسير النص ومحاولة فهمه لتقديمه إلى القارئ بموضوعية خالية من الافتيات والتعسف
• وهذا يفضي بدوره إلى مرحلة التقويم والحكم على الأثر الأدبي حيث تتبلور شخصية الناقد وأهميته ( وإذا قام الناقد بهذه العملية حسب هذه المراحل، وعلى أحسن وجه ممكن، يكون قد أدى رسالته تأدية كاملة، ويكون قد خدم الأدب والأدباء والنهضة العامة معا )

وأول ما يجب أن ينهض به الناقد الأدبي هو تحديد الاتجاه العام للحركة الأدبية والمدارس الفنية التي تظهر في إطارها. ولا يتحدد ذلك في إطار عمل أدبي واحد، بل في إطار مجموع أعمال الأديب الواحد، أو مجموع الأعمال الأدبية التي ظهرت في فترة معينة لكي يستطيع الناقد أن يقدم أهم الملامح التي تميز الاتجاه العام للحركة الأدبية التي يعرفها بأنها ( الخط العام الذي يضم جميع الأدباء الواعين بالمرحلة التي ينتجون فيها، والمدرسة الأدبية هي المنحى الفني والعقائدي الخاص الذي يميز الأدباء بعضهم من بعض )

وعلى الناقد بهذا الخصوص أن لا يغفل عن الظروف التي يعمل فيها الأديب والجانب الاجتماعي الذي يميز أعماله. ومن هنا تنبع أهميته باعتباره ( هو الذي يحدد الاتجاه العام الذي ينبغي أن تسير فيه الحركة الأدبية، ويوجه الأدباء في الخط الذي يجب أن ينتجوا فيه ويقوم أمام كل انحراف يحاوله بعض الأدباء عن وعي او عن غير وعي )

ولكي يصل إلى هذه الغاية المهمة يجب عليه أن لا ينفعل في تناوله للآثار الأدبية، بل عليه أن يتحلى بالاتزان والموضوعية والإخلاص في أداء رسالته، وبذلك يقدم دراسة واعية تلم بجميع جوانب العمل الأدبي وتقدم له ما يستحقه من اهتمام .
معوقات العمل النقدي

انطلاقا من مهمة الناقد التي أشار إليها الدكتور مصايف والتي تتمثل في تحديد الاتجاه العام للحركة الأدبية، والمدارس التي تتعايش داخلها، يحاول الناقد ( تحديد علاقة الأدب بالمجتمع ويوجه الأدباء إل النماذج الأكثر صلاحية، ويحمي الحركة الأدبية من الانحراف والشذوذ، وهو دور لم يقم به نقادنا بعد كما ينبغي )

لذلك ظل النقد عندنا يتراوح بين المجاملة والدعاية وتأثير الصمت في أحيان كثيرة ( كما نبهت إلى أن النقد اقتصر في معظم أعماله على تحليل بعض المواقف الجزئية التي لا تحدد الاتجاه العام لحركتنا الأدبية ولا توضح المدارس الفنية التي ينتج فيها أدباؤنا )

فما هي إذن الأسباب التي حادت بالنقد الجزائري عن القيام بدوره على النحو الصحيح ؟
من جملة هذه الأسباب ولعل أهمها ( ضعف الثقافة النقدية لدى بعض من يتعاطون النقد في بلادنا وعدم سير هؤلاء النقاد حسب خطة علمية مدروسة في أعمالهم النقدية، وتسرعهم في الحكم على العمل الأدبي تبعا لأفكار مسبقة على أن أكبر عامل في نظري لعجز نقدنا عن القيام بدوره في المرحلة الراهنة؛ هو غموض المنهج النقدي لدى أكثر نقادنا )

كما أن هناك أسباب أخرى ساهمت في إضعاف الحركة النقدية يمكن تلخيصها فيما يلي:
• التسرع في القراءة والاستنتاج وبالتالي التسرع في إصدار الأحكام
• كثير من النقاد يفتقدون القدرة على التمييز بين الشكل وكيف يكون دليلا على المضمون
• عدم التمييز بين المواقف العقائدية والفنية للأديب وبين المواقف الشخصية ، وذلك ما يكون في الغالب سببا في إثارة الخصومات الشخصية ( أكبر خطأ يرتكبه الناقد هو أن ينتهز فرصة عمله النقدي ليقول وجهة نظره الخاصة )

الأزمة النقدية في الجزائر
كان من رأي د.مصايف أن أهم العوامل التي ينبغي مناقشتها في مسألة الأزمة النقدية في الجزائر تتمثل في ( عدم الفهم الصحيح لوظيفة النقد، وانعدام المنهج المناسب لدى بعض الدارسين، واعتماد بعض المناهج التبريرية، وإفساح الصحافة الوطنية المجال للتجربة في ميدان النقد، وحساسية الأدباء المنتجين )

وبالتالي فمن أجل تحديد رسالة الناقد لا بد من معرفة أبعاد الأزمة التي يعانيها النقد ( فما هي هذه الرسالة إذن يا ترى ؟ هل هي رسالة تقتصر على شرح الغامض من العبارات وشرح الألغاز والرموز التي غالبا ما يلجا إليها الأدباء الشباب ؟ هل هي نثر للشعر كما ترى في الدراسات التقليدية ؟ وتلخيص للقصص والمسرحيات كما هو الشأن في كثير من هذه الدراسات ؟ هل النقد عمل يهدف به صاحبه في المقام الأول إلى سند اتجاه عقائدي معين أو صديق عزيز، أو تقويض سمعة كاتب منتج يخالف الناقد في الاتجاه أو يخاصمه في الحياة اليومية العادية ّ وفي كلمة واحدة ما هو المفهوم السلم الذي يجب أن نعطيه لفن النقد ؟ )

فمثل هذه التساؤلات التي ستحدد وظيفة الناقد ــ حسب رأيه ــ تحديدا يراعي قواعد الفن ويساير النهضة الاجتماعية التي كانت تتفجر إبداعا في كافة المجالات ، ولم يكن هناك بد من أن تواكبها نهضة أدبية تعبر عن طموحاتها وتعايش مخاضاتها ، ويبقى النقد يقوم بدور الموجه والمشرف على ترشيد الصحوة الأدبية لكي تحافظ على توازنها وفاعليتها وتطورها ( ومن هنا يكون تدخل النقد شيئا مفيدا لا للفن فحسب، بل وللأديب المنتج كذلك إن أحسن الاستفادة منها، واستخلاص التوجيهات العملية التي يبثها الناقد في تضاعيف كتابه).

السابق
طائرة نفاثة
التالي
عهد بائد

اترك تعليقاً

*