القصة القصيرة جدا

مقهى الضياع

كنت قد تركت ذلك الولد وأنا غاضب عليه بعد فعلته تلك , تركته في اليوم الثاني دون أن أتكلم معه , هو كان يدري بأني غاضب , و لن ارض عنه , لكنه بدا بعد مرور الزمن انه كان يلهو لا غير , و كنت افهم بأنه كان يضيع الوقت فاتضح , أن سنة الوقت الضياع , و مهما فعلنا , لن نمسك بلحظة واحدة من حياتنا , ومصيرنا التلاشي صوب آخر لحظة نتنفس فيها , ثم نرحل . كان فصل الشتاء أكثر ما يحب , يحب فيه البنات , يسهر , يقرأ ويكتب ويتفلسف برؤوس الأصدقاء ,الذين كان احدهم مدمن دومينو , وان ضاع فاسأل أي شخص , وسيقول لك بكل ثقة انه هناك , في ذلك المقهى الضائع , تجده يطوق بكل أصابع يديه قطع اللعبة ويفكر , وهو عكس كل من في المقهى , يُسعد حينما تشاء الصدف ويكون لديه قطعة ( الدوشيش ) ذات الاثنتا عشر نقطة سوداء , ذلك المدمن هو صديق لذلك الشاب , وذلك الشاب يقدس كل أوقات الشتاء , ويطلق فيها كل أفكاره في السماء مع البرد , والظلام والمطر والضباب , يطلقها علها تأتيه بروح الشتاء التي تمناها أن تسكن فيه ولا تغادره كل العمر . و في ذلك اليوم , كان يجرب الارتعاش بردا حينما داهم تجربته تلك وقاطعها المدمن في دعوة منه بلعب الدومينو , ففي المقهى دفءٌ أيضا , و ممكن أن يجد الجميع الشتاء فيه , قال له . فكان الشرط هو اللعب لما قبل المغيب , كي يرى شمسا حمراء بردانة أخرى , يراها وهي ترحل بين كومة الزمهرير المزدحم في الأفق . هو لم يبال لسخرية المدمن من شرطه , وذاك لم يبال أصلا لما قاله المخبول هذا , ثم بدأ اللعب , شوط مع شربة قدح شاي , وآخر مع القهوة , وأشواط كثيرة شربت كل ما هو ساخن , وأكلت الوقت حتى استفاق من اللعب في الساعة العاشرة ليلا , فخرج راكضا ليرى الشمس علها لم تغب إلى الآن , وان الأصيل قد توقف لأجله , لكنه لم يجد ألا ظلاما , وبردا كثيرا قد احتل السوق , واحتل كل زاوية من زوايا الأمكنة , حينها كنت قد تركت ذلك الولد وأنا غاضب عليه , تركته ولم امش معه في تلك الليلة حينما ذهب للبيت محملا بذنب كبير ,ككبر مثانته المعبأة بالشاي والقهوة والماء , وتركته حينما أفرغها بين الظلام عند جذع شجرة منسية في الطريق , كان يدري انه مهما تخلص مما شرب بذلك اليوم , لن يشعر قلبه بالانتعاش , أما أنا , فلم أكن ادري انه كان يلهو , فتركته آسفا لما فعل , و آسف جدا , لاني لم اسمح له أن يبرر ما فعل . بعد مضي أكثر من عشرين شتاء , ما زلت أرى ذلك الولد نادما وحزينا – الذي هو أنا – وليتني كنت ادري بأن الوقت لا يمكن الإمساك به , سنته الترحال ونحن التلاشي , ما زلت أراني أقف عند ذلك الجذع وسط الظلام , افرغ مثانة ألمي , دون أن ادري متى سأنتهي …

السابق
صورة
التالي
سُلُوكٌ

اترك تعليقاً

*