النقاش العام

ملاحظات حول القصة القصيرة جدا

إخواني ، إن القصة القصيرة بصفة عامة هي عصارة الفنون السردية قديمها وحديثها ، والقصيرة جدا عصارة العصارة ،لأسباب عدة منها : أنها تسابق عامل التحجيم ، فالمساحة ضيقة جدا والكاتب ملزم بادارة أحداث وشخصيات وقفلة وعقدة وما شابه ذلك من خصائص الفن السردي ،وبما أن الأمر كذلك فإن الكاتب ملزم بأن يكون فنانا مصورا من مجموعة من الزوايا المغلقة وبكاميرا مجهزة بنظام ثلاثي الابعاد ،يعني هذا أن الجملة التي سيوظف ، ستكون لها أهمية كبرى في نجاح أوفشل القصة ،فأنت ملزم بجملة لا تتجاوز عدد الأصابع من حيث الكلمات ، وستستغني عن تلك الروابط اللغوية المجانية ، حاول أن تربط جملك بالمعنى وليس بالرابط اللفظي لأنه سيشوش على أسلوبك ،أضف إلى ذلك أن هذه الجملة لا يجب أن تكون عادية ولا أقصد على المستوى النحوي وإنما من حيث التركيب والإسناد ، فلنحلق قليلا في عالم الانزياح فإنه يساعد على خلق الصور الشبيهة بالصور الشعرية ،فجملة القصة جملة شعرية على مستوى التركيب وحتى على مستوى مساحة البياض والسواد ،بدون لغة انزياحية لا يمكن أن نضمن التكثيف الذي تقتضيه طبيعة القصة القصيرة جدا ، فالجملة التي لا تحتمل التأويل من قاريء إلى آخر تشطب ولا تستعمل وأعني هنا أن الكاتب ملزم بتوظيف الرموز والايحاءات ولفت النظر لجعل القاريء يساهم بشكل أو بآخر في إعادة صياغة بناء القصة ،وإذا سمحتم لي يمكن أن أعطي مثالا من حيث التكثيف بالمثل الشعبي أو الفصيح الذي يقول كل شيء في أقل عدد من الكلمات ،فاللغة المباشرة التي يستعمل بعض الاخوان أصبحت متجاوزة حتى في الرواية ، هذا يعني أن الكتاب أصبحوا على وعي بأن اللغة الفنية ليست إطلاقا لغة اخبارية يستهدف منها توصيل معلومة معينة للقارئ ، كسر المألوف ، كسر النمطية ، كسر قواعد الإسناد ،تحايل على القارئ لجعله يطرح أسئلة يستهدف منها معرفة ما تهدف إليه ، لا تستهن بالقاريء ، فهو في كلا الاحوال يبحث عن المتعة الفنية وعن الغرائبية والادهاش ،أما الواقع فإنه يصبو إلى الابتعاد عنه ، فكن فنانا وحلق ليحلق معك في عالمك ، هذا من حيث اللغة والجملة المركزة والقصيرة جدا جدا ،اما من حيث المعاني التي يهدف اليها القاريء ، فليس كل حدث قابلا لان يوظف في قصة ، المعروف والبديهي والمبتدل فاجتنبوه ، وابحث لنصك عن افكار جديدة ، والجدة فيها تكمن في طريقة تعاملك مع هذا الحدث او ذاك ، واترك نصك مفتوحا على تعدد القراءات ، لان القراءة الواحدة تقتله وتعلن نهايته ، هذه فقط بعض ما أراه شخصيا يفيدنا في كتابة القصيرة جدا ، وأتمنى لكم مزيدا من النجاح.

من مواليد 5 يوليو 1959 بوادي، إقليم خريبكة، التحقت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية وتحصلت على شهادة الإجازة في شعبة اللغة العربية وآدابها!، جامعة محمد الخامس بالرباط، بعد حصولي على شهادة البكالوريا في شعبة الآداب العصرية سنة1980. التحقت سنة 1985 بالتدريس، تخصص اللغة العربية وآدابها!، وفي سنة 2007 التحقت بالإدارة التربوية بالرباط، ولا زلت أمارس مهامي بها إلى حدود كتابة هذه السطور!.
أغرمت بالقراءة والكتابة منذ نعومة أظفاري ،فقرأت الرواية والقصة القصيرة والشعر خصوصا الشعر الملتزم ، لكني كنت ميالا لكتابة القصة القصيرة، عزفت عن الكتابة والقراءة لفترة طويلة جدا ، أمام غياب الدعم و التشجيع والتحفيز !
ابتداء من 2014، عدت إلى غمار الكتابة، في مجال الخاطرة والمقالة بمختلف مشاربها، وألوانها، وقد لاحظت أن الشخوص تغلي في ذاكرتي كالحمم التي تبحث عن ثقب للخلاص، وكان فعلا إنتاجي في القصة القصيرة في هذه الفترة القصيرة جدا غزيرا جدا!
دخلت مغامرة النقد في مجال السرد والشعر، أملا في إنصاف الكثير من المبدعين الذين تضيع نصوصهم في أعمدة منتديات العالم الأزرق دون أن ينتبه لهم أحد !.
قمت بنشر إنتاجاتي الأدبية في مختلف المنتديات الأدبية، وفي أغلب المجلات الإلكترونية والورقية في مختلف أنحاء الوطن العربي، لم أبحث يوما عن الشهرة والتميز بقدر ما كان همي الارتقاء باللغة العربية ، التي مع الأسف تسير نحو الهاوية، وأتمنى أن أوفق في هذا المسعى، وكلي إصرار على تحقيق هذا الهدف إن شاء الله !.

السابق
صرخة مخنوقةٌ
التالي
الليلة ما قبل الأخيرة

اترك تعليقاً

*