القصة القصيرة

مملكة الغربان

توجس العمدة من زيارة ابن زوجته الأولى الأستاذ الجامعي المتخصص في الأحياء، لم يكن العمدة بخيلًا، كما أنه كان يحب الشاب الريفي المكافح، الذي سلك طريق العلم وصار قدوة لشباب القرية، لكنه كان يرتب لزيجة جديدة في سرية تامة، ولم يشأ أن تزيد عيون زوجته عينًا.
في المضيفة اجتمع أعيان القرية للترحيب بالضيف المحبوب، انتفخت أوداج العمدة زهوًا بربيبه الكبير، دارت كؤوس الشاي بعد الوليمة الكبيرة، ودار معها الحديث من فم لفم، حتى سأل العمدة فجأة (مدبولي) عامل الوحدة الصحية عن أخبار الغربان معه!
قبل أن يجيب (مدبولي) عن سؤال العمدة، تباينت ردود الأفعال بين مصمصات إشفاق وتحسر وضحكات تهكم مكتومة، بدا الاهتمام على وجه الأستاذ وأنصت بكل حواسه:
– لا زالت تترصدني، كلما غدوت أو رحت من دون أهل القرية جميعًا، وتنقر رأسي فتدميها!
بدا الاهتمام يزداد على وجه الأستاذ وهو يسأل:
– ولماذا تفعل ذلك بك وحدك؟ هل آذيتها؟
– بالعكس أنا أحبها، ولا أتطير منها كالآخرين، بل أنثر لها فتات الخبز والحَّب!
– عجيب ولكن الغربان تحفظ المعروف ولا تنسى الإساءة، وهي تعيش في جماعات تسمى (مجاثم)، وتتعاون في الأخذ بالثأر ممن يؤذي أحد أفرادها.
جذب حديث الأستاذ العلمي انتباه الجميع واستطرد الدكتور شارحًا:
– الغربان تقدم لنا خدمة جليلة بتنظيف البيئة من الجيف والحيوانات النافقة، إلا أنها لا تأكل النافق منها، بل لها طقوس جنائزية تجتمع فيها حول موتاها، وتصيح بصوت عالٍ، ثم تنبش وتدفنها في باطن الأرض.
وهنا انبرى الشيخ (محمود) إمام المسجد قائلًا:
– نعم نعم، فالغراب هو الذي علم ابن آدم الأول كيف يدفن جثة أخيه، بعد أن قتله حسدًا ثم طاف بجثته يحملها على ظهره، ولا يدري كيف يواريها!
أمَّن الدكتور على كلام الشيخ واستطرد:
– ولا يزال الغراب يعلم بني آدم دروس الحُّب والوفاء! فالغراب يتزاوج عند سن الثالثة وقد يعيش لأربعين عامًا، وطوال عمره لا يتزوج إلا مرة واحدة، ولا يتزوج ثانية إلا إذا ماتت قرينته أو عجزت عن الإنجاب فلم يفقس البيض، وعندها يفترق الزوجان ويبحث كل منهما عن شريك آخر، حفاظًا على النوع. فهو لا يبحث عن أخرى صغيرة أو جميلة كما يفعل البشر.
غاض الدم من وجه العمدة، لكن لحسن الحظ لم يلحظ أحد ذلك لانشغالهم بالحديث الشيق، وصاح الجميع في نفس واحد:
– سبحان الله!
– والغربان تؤمن بالتعاون وبأن الكثرة تغلب الشجاعة، لذا تتعاون على طرد الغرباء وصد هجوم الصقور والبوم. وللغربان محاكم وأحكامها تنفذ ولكل جريمة عقوبة معلومة كالنفي والقتل ونتف الريش…
ثم توجه الدكتور بالحديث إلى (مدبولي) عامل الوحدة الصحية قائلًا:
– أنا متأكد أنك فعلت شيئًا تأذت منه الغربان واعتبرتك عدوًا تستوجب العقاب!
ارتبك (مدبولي) ثم قال مستسلمًا:
– سأعترف لك يا دكتور! كان ذلك في مثل هذه الأيام من العام الماضي، سقط فرخ غراب من عش في شجرة بجوار الوحدة الصحية، فأخذته لأربيه في البيت، وقد نتفتُ الريش القذر الذي يغطيه، ونظفته ودفأته، لكنه للأسف مات!
– وماذا صنعت؟
– أعدته إلى المكان الذي عثرت فيه عليه، وظننت الأمر قد انتهى، إلا أنني فوجئت بهجوم الغربان عليّ! وتحت وطأة الهجوم انتقلت للعمل في وحدة صحية أخرى بقرية بعيدة، وعدت منذ أيام لكنَّ الغربان لم تنسَ!
– أظنَّ أنه موسم الولادة، فالغربان لا تبيض إلا مرة واحدة في العام، وربما ينتظر الأبوان فرخًا جديدًا ويخشيان عليه منك! أنصحك بالانتقال للعمل بعيدًا في هذا الوقت من كل عام.
انفضَّ المجلس وسار كلٌّ في طريقه آمنًا إلا (مدبولي) الذي حظى بعدة نقرات في الرأس صمم بعدها على تنفيذ نصيحة الدكتور، أما العمدة فبلغ من تأثره بالحديث وإعجابه بوفاء الغربان، أن نبذ فكرة الزواج الجديد من رأسه، وشدَّ على يد ربيبه مُحييًا.

السابق
بَـرْق
التالي
مآل

اترك تعليقاً

*